من الكونسرفتوار لروما.. الدكتورة رانيا يحيى تكشف أسرار مسيرتها لـ"الوفد" بين الفن والنقد والدبلوماسية
أول موسيقية ترأس الأكاديمية المصرية بروما.. رانيا يحيى تفتح صندوق الذكريات والتحديات
د. رانيا يحيى: الذكاء الاصطناعي يخلق أصواتاً.. لكن روح الإنسان هي الأبقى في الموسيقى
د. رانيا يحيى: تجربة إدارة الأكاديمية بروما هي الأعمق في مسيرتي.. واستثمرنا الحضارة المصرية في قلب إيطاليا
د. رانيا يحيى: «السوشيال ميديا» خلقت سيولة مهنية وأزمة حقيقية في النقد الفني
د. رانيا يحيى: دراستي للموسيقى والقانون صنعت توازني بين صرامة الالتزام ورقة الحس
د. رانيا يحيى: المرأة المصرية أثبتت جدارتها القيادية.. والعلاقة مع الرجل شراكة وتكامل
بصمات في القومي للمرأة.. كيف أسست رانيا يحيى أول لجنة للفنون لمواجهة التشويه الدرامي؟
الناقدة د. رانيا يحيى: السلبيات التكنولوجية أذابت التخصص.. والموضوعية مخرجنا من تراجع السينما والموسيقى
الفنون في مواجهة التكنولوجيا.. رانيا يحيى توضح مستقبليات الأوركسترا البشري أمام الذكاء الاصطناعي
تعد الدكتورة رانيا يحيى نموذجاً ملهماً للمرأة المصرية التي استطاعت أن تمزج بين عذوبة الفن وحزم الإدارة وريادة الدبلوماسية الثقافية، فمن شغفها المبكر بعزف آلة الفلوت في معهد الكونسرفتوار وحصولها على ليسانس الحقوق في آن واحد، إلى قيادتها للأكاديمية المصرية للفنون بروما كأول امرأة موسيقية تتولى هذا المنصب الرفيع، رسمت مسيرة حافلة بالتفوق تُوجت بجائزة الدولة للتفوق في الفنون.
في هذا الحوار الصحفي الشامل، نلتقي بالدكتورة رانيا يحيى، أستاذ ورئيس قسم فلسفة الفن وعلومه بالمعهد العالي للنقد الفني، وعضو المجلس القومي للمرأة السابق، لنتحدث معها عن تجربتها الدبلوماسية في روما، ورؤيتها لأزمة النقد الفني المعاصر، وقضايا تمكين المرأة، ومستقبل الإبداع الموسيقي البشري في عصر الذكاء الاصطناعي.
توليتِ إدارة الأكاديمية المصرية للفنون بروما كأول موسيقية في تاريخها، فكيف نجحتِ في تعزيز الوجود المصري في قلب أوروبا؟
الأكاديمية المصرية للفنون بروما هي صرح عظيم ومنارة فريدة للدولة المصرية في الخارج، وتقع في قلب العاصمة الإيطالية، وهي لا تتوجه بخطابها إلى المجتمع الإيطالي فحسب، بل إلى المجتمع الأوروبي ككل لتعزيز الدبلوماسية الثقافية والتبادل الفني، خلال فترة إدارتي التي امتدت لعام ونصف، نجحت في فتح شراكات واسعة النطاق مع مؤسسات إيطالية وأوروبية لدعم الفنون المصرية، وعملنا على تنظيم زخم من الأنشطة والفعاليات لعرض الهوية والثقافة المصرية، وتقديم مبدعينا من خريجي الكونسرفتوار ودار الأوبرا المصرية لنؤكد للمجتمع الأوروبي قدرتنا العالية على المنافسة الفنية العالمية.
يضم مقر الأكاديمية متحفاً لمستنسخات توت عنخ آمون، فكيف تم استثمار هذا الكنز الأثري لخدمة الثقافة والسياحة المصرية؟
هذا المتحف يمثل بؤرة انطلاق حيوية للحضارة والسياحة المصرية في إيطاليا، وقد ركزنا على التنسيق المباشر مع المدارس الإيطالية، نظراً لأن مناهج التعليم هناك تدرس علم المصريات للأطفال في سن التاسعة، وكان هذا الشغف يدفع المدارس لتنظيم رحلات شبه يومية للأطفال لزيارة المتحف داخل الأكاديمية لرؤية الحضارة المصرية عن قرب، وهو ما عزز من دورنا الثقافي والسياحي الداعم للسياسة الخارجية المصرية بشكل كبير.
واجهتِ بالتأكيد تحديات وصعوبات خلال هذه المهمة الدبلوماسية، فكيف تغلبتِ عليها؟ ومن كان الداعم الأبرز لكِ؟
لا يوجد مسار يخلو من التحديات، لكنني أفضل دائماً الحديث عن الإنجازات وكيفية تحويل المعوقات إلى طاقات إيجابية لخدمة الوطن، لقد كانت فترة صعبة بلا شك، ولكن المخرج النهائي كان مشرفاً للأكاديمية وللدولة المصرية، وقد قمنا خلال هذه الفترة بإصدار كتب توثق كافة الأنشطة والفعاليات الثقافية لتعزيز العلاقات المصرية الإيطالية والأوروبية، وأود هنا أن أتوجه ببالغ الشكر والتقدير لسيادة السفير بسام راضي، سفير مصر في إيطاليا، الذي كان داعماً حقيقياً وممثلاً قديرا لرئيس الجمهورية، حيث أسهم تواجده المستمر ومساندته للأكاديمية في تعزيز الحضور الإيطالي والأوروبي وتوثيق الشراكات مع المؤسسات بالخارج.
ما هو الدرس الأبرز الذي خرجتِ به من تجربة روما وتتمنين تطبيقه في مصر؟
الدرس الأبرز هو ضرورة خلق إنسان مثقف حقيقي منفتح على الثقافات الأخرى وغير منغلق على ثقافة واحدة، لأن التبادل الثقافي يثري الفكر ويمنح الإنسان خبرات واسعة، ورغم أن حياتي الوظيفية ممتدة وتدرجت في مناصب مختلفة منذ عام 1999، إلا أنني أعتبر تجربة روما هي التجربة الأهم والأعمق والأنضج في مسيرتي المهنية والإنسانية، لأن العيش في الخارج يمنحك فرصة التغلغل في الحياة والتعرف على ثقافات وحضارات الشعوب عن قرب.
بصفتكم عميداً سابقاً ورئيساً لقسم فلسفة الفن بالمعهد العالي للنقد الفني، كيف ترصدون الأزمة الراهنة التي يعيشها النقد؟
النقد الفني يعيش بالفعل أزمة حقيقية ناتجة عن السلبيات التي أفرزها التطور التكنولوجي ومواقع التواصل الاجتماعي، لقد خلقت السوشيال ميديا حالة من "الإذابة للتخصص الدقيق" وبات كل شخص ينصب نفسه ناقداً، أو فناناً، أو إعلامياً، أو مصوراً، مما تسبب في حالة من "السيولة المهنية"، والنقاد الحقيقيون هم بشر في النهاية، وقد يتأثر بعضهم بآراء مواقع التواصل الاجتماعي أو بالعلاقات الشخصية والصداقات داخل الوسط الفني، والحل يكمن في تحلي الناقد بالموضوعية الخالصة والابتعاد عن الأهواء والمجاملات الشخصية، لأن الحكم الموضوعي هو المخرج الوحيد لحالة التراجع الفني التي نعاني منها في الموسيقى والسينما والمسرح، والدراسة الأكاديمية المتخصصة في المعهد العالي للنقد الفني تقدم مخرجاً علمياً حقيقياً، شريطة أن يضع المشتغلون بالنقد لأنفسهم مدارس نقدية رصينة، وأن تبدي الصحف والمجلات اهتماماً كبيراً بالاستعانة بالمتخصصين الدارسين.
تشرفتِ بعضوية المجلس القومي للمرأة بقرار رئاسي لثماني سنوات، فما هي أهم البصمات التي تركتِها في ملف الثقافة والفنون للمرأة؟
لقد امتدت فترة عضويتي بالمجلس بقرار رئاسي من عام 2016 حتى 2024، وهي من الفترات الثرية والمهمة في حياتي، وخلال تواجدي بالمجلس، قمت بـ تأسيس لجنة "الفنون والآداب" لأول مرة في تاريخ المجلس، وعملنا من خلالها على تنظيم زخم من الأنشطة والفعاليات، ورصد صورة المرأة في الدراما، وإطلاق مسابقات فنية ومؤتمرات بالتعاون مع أكاديمية الفنون ونقابة التشكيليين، وكان تركيزنا الأساسي ينصب على إبراز النماذج الإيجابية المشرفة للمرأة المصرية كوزيرة، وسفيرة، ورائدة، وعالمة ذرة، بل وملكة تاريخية قادت الجيوش وحققت الانتصارات، وواجهنا محاولات تصدير الصورة السلبية المشوهة للمرأة في الأعمال الفنية، لأن الدراما يجب أن تدعم وتواكب الرؤية الإيجابية التي تتبناها القيادة السياسية لتمكين المرأة وتصدير صورة مشرفة تليق بها للخارج.
ماذا عن المبادرات الثقافية والتمكين الفني للمرأة في الأقاليم والمناطق الأكثر احتياجاً؟
لكي نكون منصفين، لم تكن هناك مبادرة مباشرة ومسماة بـ "التذوق الفني في الأقاليم"، ولكن كان هناك اهتمام بالغ باكتشاف المواهب الشابة في الأقاليم والمناطق المستهدفة بالرعاية، لقد زرت بنفسي عدة مناطق كـ "حي الأسمرات" والأقاليم المختلفة، والتقينا بالفتيات والمبدعات الصغيرات اللواتي يحتجن للرعاية والوعي الثقافي، واستمعنا لاحتياجاتهن وعملنا على توصيل صوتهن وتقديم الدعم الفني لهن.
كيف ترين قدرة المرأة على تولي المناصب القيادية وإدارة المؤسسات الثقافية بنجاح؟ وما هو الدرس الاجتماعي الذي رصدتِه في إيطاليا؟
المرأة العربية والمصرية قادرة على إثبات جدارتها في شتى المجالات، ولأن المرأة عانت تاريخياً من التهميش لعقود مضت، فإنها اليوم ومع الدعم والاهتمام بملفها، تسعى جاهدة وبكل قوتها لإثبات جدارتها ومسؤوليتها في صنع القرار، وتشير المؤشرات إلى أن نسب النجاح في التعليم والعمل تكون أعلى لدى المرأة، كما أن معدلات الفساد الإداري لديها أقل بكثير، لحرصها الدائم على صورتها واستقرار أسرتها، ونحن لا نرى العلاقة بين الرجل والمرأة كصراع، بل هي علاقة تكاملية مبنية على الشراكة الحقيقية لبناء مجتمع صحي وناجح، ولقد لمست هذا التكامل الأسري عن قرب في المجتمع الإيطالي، حيث يتشارك الأب والأم بالتساوي والمسؤولية التامة في رعاية وتربية الأبناء، والذهاب بهم للمدارس والتمارين الفنية والرياضية، وهي شراكة إنسانية رائعة تعكس التكامل والمسؤولية المشتركة.
جمعتِ في نشأتك وشخصيتك بين صرامة القانون وحزم الإدارة ورقة عزف "الفلوت" كيف تشكل هذا المزيج الفريد؟
دراسة الموسيقى والفنون في أكاديمية الفنون الكونسرفتوار تتطلب التزاماً صارماً وعملاً شاقاً يختلف تماماً عن الفكرة المغلوطة لدى البعض بأن الفن هو لهو وعبث، لقد التحقت بالكونسرفتوار في سن الثانية عشرة، وحصلت في نفس عام تخرجي بامتياز على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، هذا التوازن نابع من نشأتي في أسرة فريدة، حيث كان والدي ضابط شرطة غرس فى الصرامة والحزم والالتزام والمسؤولية القيادية، في حين كانت والدتي شاعرة وهي التي اكتشفت موهبتي ووفرت لي الآلات وبحثت لي عن طريق الكونسرفتوار وغرست في الحس الفني الرقيق، ومن هنا نشأت بين الجانبين، الصرامة والالتزام من جهة، والرقة والفن من جهة أخرى، ودراسة الموسيقى الغربية الكلاسيكية والعمل الجماعي في الأوركسترا يربي في عازفيه مبادئ احترام الآخر وتقبل الثقافات المتباينة وروح العمل الجماعي لنبذ الأنانية وتحقيق التناغم والنجاح المشترك.
حدثينا عن إنجازك الفني الخاص في روما، وكتبك وإصداراتك المتنوعة؟
لقد كنت أول موسيقية وأول عضو هيئة تدريس من أكاديمية الفنون يتولى رئاسة الأكاديمية المصرية في روما، وخلال تواجدي هناك، عزفت كعازفة سولو رئيسية برفقة فرقتي وحرصت على إقامة الحفلات الفنية داخل الأكاديمية، بل إنني قمت بنفسي بإحياء الاحتفالية الموسيقية الكبرى بمناسبة مرور 95 عاماً على تأسيس الأكاديمية بروما، لعدم تمكننا من استقدام عازفين من مصر في ذلك التوقيت، وإلى جانب العزف، لدي العديد من الكتب والدراسات المتخصصة في النقد السينمائي والموسيقي والمسرحي، مثل كتاب "فؤاد الظاهري مصرية الجذور وعالمية الإبداع"، وكتاب "سحر الموسيقى في أفلام صلاح أبو سيف"، بالإضافة إلى كتابات موجهة للأطفال، وقد تكللت هذه المسيرة المليئة بالتفوق بحصولي على جائزة الدولة للتفوق في الفنون عام 2023.
مع التطور المتسارع للبرامج التكنولوجية والذكاء الاصطناعي التي تحاكي أصوات الآلات بدقة وتوفر الوقت والتكلفة، هل ترى الدكتورة رانيا يحيى خطراً على الأوركسترا البشري الحي؟
التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي أثرا بلا شك على الموسيقى والعملية الإبداعية، وبات العديد من الملحنين والموزعين يستبدلون العازفين بالبرامج الرقمية توفيراً للوقت والأجهزة والتكلفة المادية الكبيرة للعازفين، ولكن، يبقى الإبداع البشري متفرداً وصاحب البصمة الروحية الحقيقية التي لا يمكن للآلة تقليدها، والدليل على ذلك، أن الجمهور في مختلف دول العالم لا يزال يسافر ويحجز تذاكر بأرقام باهظة من أجل الاستماع الحي لأوركسترا بشري بعينه، والتفاعل الوجداني مع العازفين مباشرة، فالآلة والذكاء الاصطناعي قد يخلقان أصواتاً وأفكاراً، ولكن يبقى الإبداع البشري الموهوب بإحساسه وتجلياته الروحية هو الأبقى والأسمى وصاحب البصمة الخالدة.




تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض