قطوف (من وحي القلم)
لسنا أرقامًا... نحن حكايات لم تنتهِ

لسنا أرقامًا... نحن حكايات لم تنتهِ
في زمنٍ أصبحت فيه نشرات الأخبار تتسابق إلى إعلان الأرقام، تراجعت الحكايات إلى الصفوف الخلفية. نسمع عن آلاف النازحين، ومئات البيوت المهدمة، وعشرات الأرواح التي غادرت، ثم نغلق الشاشة وكأن الأرقام قد قالت كل شيء. لكنها، في الحقيقة، لم تقل شيئًا.
فالرقم لا يخبرنا عن أمٍّ سهرت الليالي تحرس أطفالها من الخوف، ولا يروي قصة طفلٍ ما زال يرسم بيتًا في دفاتره رغم أنه لم يعد يملك سقفًا يأويه. والرقم لا يصف دمعة أبٍ أخفى انكساره حتى يبقى سندًا لأسرته، ولا يحكي عن امرأة حملت على كتفيها مسؤولية الحياة وهي تحاول أن تبقي الأمل حيًا في عيون من حولها.
إن الإنسان لا يُختزل في رقم، ولا تُقاس كرامته بإحصائية، ولا تُكتب ملامح حياته في جدولٍ أو تقرير. لكل إنسان اسم، ووجه، وذاكرة، وأحلام مؤجلة، وحكاية تستحق أن تُروى.
وفي خضم الأزمات، لا تكون أعظم الخسائر ما تهدم من حجارة، بل ما قد يتسلل إلى النفوس من شعور بأن العالم لم يعد يرى الإنسان، بل يرى الأرقام فقط. وهنا تبدأ مسؤوليتنا جميعًا؛ أن نعيد للإنسان صوته، وأن نمنح الحكايات مكانها، وأن نؤمن بأن الإصغاء إلى الألم بداية الطريق نحو التعافي.
لسنا بحاجة إلى مزيد من الإحصاءات بقدر حاجتنا إلى مزيد من الرحمة. فالإنسانية لا تُقاس بعدد الكلمات التي نقولها، بل بقدرتنا على أن نرى الإنسان خلف كل رقم، وأن نحفظ كرامته، وأن نمد له يدًا صادقة تعيد إليه شيئًا من الطمأنينة.
قد تُطوى صفحات الأخبار، وتتغير العناوين، وتُستبدل الأرقام بأرقام جديدة، لكن الحكايات الصادقة تبقى حيّة في الذاكرة. فهي الشاهد الحقيقي على الألم، والدليل الأصدق على الصمود، والجسر الذي يربط بين المعاناة والأمل.
ولذلك، فلنرفض أن يتحول الإنسان إلى مجرد رقم في سجلٍ طويل، ولنتذكر دائمًا أن خلف كل رقم قلبًا ينبض، وروحًا تحلم، وحياةً تستحق أن تُعاش بكرامة. فالحكايات لا تنتهي ما دام في الإنسان نبض، وما دام للأمل مكان، وما دام في هذا العالم من يؤمن بأن الكرامة الإنسانية لا تُعد بالأرقام، بل تُصان بالمحبة والعدل والرحمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض