أتابع اليوم فى مقالى، الذى بدأته منذ أسابيع، استعراض أجزاء من كتاب «رجل الأقدار» الذى أصدرته الهيئة الوطنية للصحافة، والذى يوثق مسيرة الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أهم اللحظات الفارقة من تاريخ مصر. وقد تناولت فى هذا الكتاب الجزء الخاص بمسيرته العسكرية حتى وصوله إلى قصر الاتحادية رئيسًا للجمهورية، وانتهيت فى مقالى السابق عند توليه قيادة الفرقة الثانية مشاة ميكانيكى، ثم رئاسة أركان المنطقة الشمالية العسكرية.
وخلال هذه المرحلة، أصبح الرئيس عبدالفتاح السيسى قد خدم فى مختلف الاتجاهات الاستراتيجية للدولة المصرية، فبعد خبراته فى الجيشين الثانى والثالث الميدانيين، والمنطقة الغربية العسكرية، جاءت خدمته فى المنطقة الشمالية العسكرية لتضيف إليه خبرة جديدة فى تأمين الاتجاه الشمالى، بما يضمه من مدينة الإسكندرية والساحل الشمالى الغربى، وما يحتويه من أهداف حيوية وقواعد عسكرية وموانئ ومنشآت استراتيجية. وهكذا أصبح ملمًا عمليًا بجميع الاتجاهات الاستراتيجية الرئيسية للدولة المصرية، وهو أمر نادر فى مسيرة أى قائد عسكرى.
وبعد انتهاء مهمته فى المنطقة الشمالية العسكرية، جاء القرار الحاسم فى حياته العسكرية، حيث تم تعيينه فى يناير 2009 نائبًا لمدير المخابرات الحربية، ليفتتح فصلًا جديدًا فى مسيرته داخل أحد أهم الأجهزة السيادية فى الدولة.
ولقد كان هذا التعيين مفاجأة كبيرة فى حياته، لكنه لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء نتيجة سنوات طويلة من التفوق فى مختلف المواقع التى شغلها. فقد رأت القيادة العامة للقوات المسلحة أن يتم إعداده لتولى إدارة المخابرات الحربية مستقبلًا، ولذلك جرى تعيينه نائبًا للمدير لمدة عام، حتى يتعرف على طبيعة عمل هذا الجهاز الحيوى، قبل أن يتولى قيادته.
وبعد عام، صدر القرار الجمهورى بتعيينه مديرًا للمخابرات الحربية، بعد تصديق رئيس الجمهورية الأسبق محمد حسنى مبارك، ليصبح المسئول عن أحد أخطر أجهزة القوات المسلحة المصرية.
ويتذكر الرئيس عبدالفتاح السيسى أن والده، الحاج سعيد السيسى، عندما علم بالخبر من زملائه، أصر على أن يراه فور وصوله إلى القاهرة قادمًا من الإسكندرية. وقبل أن يتجه إلى منزل الأسرة، مر أولًا بمسجد سيدنا الحسين، وصلى ركعتين شكرًا لله، ودعا الله أن يوفقه فى مهمته الجديدة، ثم توجه إلى منزل الأسرة، حيث وجد الجميع فى انتظاره، وكانت والدته قد أعدت له عشاءً خاصًا احتفالًا بهذه المناسبة.
وعندما دخل المنزل، قبّل رأس والده ثم قبّل يد والدته، فقالت له والدته ببساطتها: «يا ابنى أنا معرفش حاجة عن الجيش، لكن ليه المرة دى الناس كلها فرحانة أكتر من أى مرة فاتت؟». فابتسم قائلًا: «دى بركة ربنا ودعاؤك يا أمي». وكانت تلك اللحظة تعيد إليه ذكريات أول إجازة حصل عليها من الكلية الحربية، حين رأى فى عينى والدته نفس الفرحة التى رآها فى ذلك اليوم.
ولم ينته العشاء حتى تلقى اتصالًا من العميد يسرى زكى، مدير مكتب المشير محمد حسين طنطاوى، أبلغه فيه: «سيادتك بكرة الساعة التاسعة صباحًا فى مكتب وزير الدفاع».
وفى صباح اليوم التالى، كان حاضرًا فى الموعد، فاستقبله المشير طنطاوى بابتسامته المعهودة قائلًا: «مبروك يا عبدالفتاح... شد حيلك... وخلى بالك، الإدارة كبيرة ومحتاجة فهم عميق، وأنا عارف إنك اشتغلت فيها قبل كده، ومذاكرها كويس... عشان المستقبل».
وكانت هذه الكلمات أول إشارة مباشرة من المشير طنطاوى إلى ثقته الكاملة فيه، وإلى أنه يراه مؤهلًا لقيادة هذا الجهاز فى المستقبل.
وبعد انتهاء اللقاء، توجه إلى مكتبه الجديد، وكانت عادته فى كل موقع قيادى جديد أن يبدأ بصلاة ركعتين شكرًا لله، ثم جلس يتأمل صور القادة الذين سبقوه فى هذا المكتب. وبعد دقائق دخل السكرتير ليعرض عليه جدول مقابلات رؤساء الأفرع، لكنه رفض الأسلوب التقليدى، وقال: «الخطة دى لازم تتغير... أنا اللى همر على كل رئيس فرع فى مكتبه، وأستمع إليه هناك، وأتعرف على الضباط بنفسى».
وخلال ثلاثة أيام فقط، كان قد استمع إلى جميع رؤساء الأفرع، وتكوّنت لديه صورة كاملة عن أعمال إدارة المخابرات الحربية، ثم جلس يضع خطة شاملة لتطوير الإدارة، عرضها على القيادة العامة، فحظيت بالموافقة، وبدأ تنفيذها وفق برنامج زمنى محدد.
وجاء ذلك فى وقت كانت فيه المسئولية بالغة الصعوبة، إذ بدأت جماعة الإخوان الإرهابية تتوسع فى نشاطها داخل المجتمع المصرى، كما ازدادت حركة الأنفاق بين رفح وقطاع غزة، والتى استخدمت فى تهريب الأفراد والأسلحة والبضائع، وأصبحت تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن القومى المصرى.
وفى ظل هذه الظروف، أدرك الرئيس عبدالفتاح السيسى أن مهمته الجديدة لم تعد مجرد وظيفة عسكرية، وإنما مسئولية وطنية وتاريخية لحماية الأمن القومى المصرى، فى واحدة من أدق المراحل التى مرت بها الدولة المصرية.
وأمام هذا الوضع المتفجر، أصدر المشير محمد حسين طنطاوى، القائد العام للقوات المسلحة فى ذلك الوقت، تكليفًا مباشرًا إلى اللواء عبدالفتاح السيسى، نائب مدير المخابرات الحربية، بأن يتولى بنفسه الإشراف المباشر على ملف سيناء. وبموجب هذا التكليف، أصبح السيسى يرفع تقارير يومية إلى القيادة العامة للقوات المسلحة عن تطورات الأوضاع الميدانية والأمنية فى سيناء، فى ظل ظروف بالغة التعقيد، لما كانت تمثله المنطقة من أبعاد أمنية واجتماعية وسياسية شديدة الحساسية.
ومن خلال متابعته لهذا الملف، أدرك أن تحقيق الأمن فى سيناء لا يعتمد فقط على الإجراءات الأمنية، وإنما يحتاج أيضًا إلى تنمية حقيقية واستقرار سكانى، ولذلك تبنى فكرة إنشاء القرى البدوية الجديدة لتوطين البدو الرحل داخل سيناء، بما يحقق الاستقرار لهم، ويعزز من ارتباطهم بأرضهم، وكانت هذه من أوائل المهام التى أشرف على تنفيذها خلال تلك المرحلة.
Email: [email protected]
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض