رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لا شك أن الإنسان قد يعرف غيره من الناس بالنظر إلى وجهه، ولا تكتمل معرفتنا بشخصٍ ما إلا بعد النظر إلى ملامحه، كما يعرف المرءُ مِنَّا نفسَه بالنظر إلى قَسَماتِه سواءً في المرآة أو على صفحات الماء في بحيرة أو غدير كما كان يحدث في الأزمان السالفة.
والإنسان بغريزته لا يحب الفناء، ومن أجل ذلك لجأ إلى التحنيط، وآمن بالبعث، ورسم وجوه الموتى على التوابيت، وعمل التماثيل للملوك، وما البورتريه إلا وسيلة من وسائل تخليد الذات الإنسانية بالريشة والألوان، فالبورتريه هو صورة شخصية مرسومة تثبت بها معالم وجه الإنسان.
ولا يقتصر الأمر على مجرد تثبيت المعالم؛ بل يوجد أيضًا عنصر (التسامي) فما كان الفنان المصري القديم يصور الفرعون في شيخوخته أو مرضه؛ وإنما كان يلغي من صورته المرسومة أو المنحوتة عيوبه وأمراضه حتى يبدو على أحسن هيئة، وهنا دخل عنصر جديد إلى الفن وهو "التهذيب" وصار الفنان يبدع الشيء على صورته المثالية، فهو لا يرسم أو ينحت ما هو كائن بل ما يجب أن يكون أو كما يتمنى الفنان أن يكون، وبذلك ارتقى الفن إلى درجة أعلى من التصوير المجرد وبزغ فن البورتريه عندما انتقل الفنان من مرحلة التسجيل إلى مرحلة "الصَّقل".
و البورتريه يبين لنا جمال الوجه الإنساني وروعته، فلا شك أن الوجه الإنساني فيه جاذبية، وهو بالطبع وسيلة نعرف بها شخصية صاحب الوجه ونغوص بها في أعماقه، وتكمن طرافة البورتريه الخاصة في معايشة الشخصية المرسومة واستخلاص أغوارها ووضع اليد على لزماتها مِمَّا لا تصل إليه الكاميرا عادةً، فالبورتريه إذا رسمه فنان بارع يكون أفضل وأدق من الصورة الفوتوغرافية.
والفنان التشكيلي المبدع المتميز يترقب اللحظة التي يتخلى فيها الشخص المراد رسمه عن الأقنعة التي يختفي وراءها كَيْما تنكشف حقيقته، وهذا ليس كل شيء؛ حيث يتوجب على الفنان أن يبني لوحته لتصبح بحق عملًا فَنِّيًا، ولهذا يجب عليه أن يحسن التلوين والنسيج ويهتم بانسجام الألوان والنِّسَب.
ومن مميزات فن البورتريه أنه ممتع، ولهذا لا يمل منه الفنان، ففي كل وجه اشياءً جديدة مختلفة؛ بل إن كل وجه يعتبر عالمًا مستقلًا بذاته، وخلف الصفات التشريحية للوجه شيءٌ ما، وعلى الفنان أن يقتنص هذا الشيء، وأن يفك لغز كل شخصية يرسمها ويلتقط منها طرف الخيط الذي يوصله إلى تبديد الغموض الذي يلف كل شخصية، فليس من اليسير معرفة ما في الأعماق إلا بعد الغوص والتحليل، والفنان العبقري هو الذي لا يأخذ الكثير من الوقت في عملية الغوص والتحليل هذه.
وليس بمستغرب عند الفنانين أن يجدوا لبعض الشخصيات ألوانًا أثيرية؛ فمن الناس من تلفه هالة خضراء أو ترابية أو وردية، لذلك تجد الفنان يرسم لوحة لشخصيةٍ ما فيجعل خلفيتها بلون معين، وهذا اللون هو لون الهالة التي يلمحها الفنان لدى بعض الشخصيات المرسومة، فيما قد تخفى عليه هالات أشخاصٍ آخرين، وكل إنسان يوحي بالمناخ اللوني المناسب لصورته المرسومة، فبعض الناس يوحون بالربيع وبعضهم بالشتاء وهكذا، وهناك تعليلات غير عقلية في رسم الخلفيات المحيطة بالشخصية، وعلى رأسها بالطبع عاطفة الفنان نحو الشخص المرسوم وانطباعاته عنه.
وفي الختام نقول إن الفنان التشكيلي حين يرسم البورتريه لا يَتَوَخَّى الشخصيات الجميلة بالضرورة، بل يستهدف برسمه تلك الشخصيات التي تمنحه عطاءً تشكيليًّا، فالجمال عنده ليس بالضرورة جمال الملامح، وإنما هو الجمال الإنساني..