رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

على باب السيدة نفيسة.. زوار يبحثون عن الطمأنينة وقطط لا تعرف الخوف

مسجد ومقام السيدة
مسجد ومقام السيدة نفيسة

في زاوية هادئة من مسجد السيدة نفيسة، لا يبدو المشهد مجرد زيارة لمكان ديني، بل لحظة إنسانية تتجرد فيها الوجوه من ضجيج الحياة، وتبحث عن شيء لا تراه العين، لكنه يسكن القلب، تقف سيدة أمام الضريح طويلًا، ترفع يديها بالدعاء، ثم تقترب أكثر، وكأن المسافة القصيرة بينها وبين المقام قد تختصر مسافات طويلة قطعتها بحثًا عن الطمأنينة، وعلى الجانب الآخر من المقام، يقف رجلٌ يتمتم بكلمات لا يسمعها أحد، ربما تحمل أمنية طال انتظارها، أو شكوى لم يجد لها مكانًا سوى هذا الموضع.

داخل المقام، تتنوع حكايات الزائرين، لكن يجمعها شعور واحد، الرجاء، فهناك من جاء طلبًا للسكينة، ومن يحمل في قلبه أمنية، ومن يعتقد أن المكان تحيط به بركة خاصة ارتبطت بسيرة السيدة نفيسة ومكانتها في وجدان الناس عبر أجيال طويلة، ولذلك لا يكتفي بعض الزوار بالوقوف أمام الضريح، بل يتشبثون بأسواره، ويمررون أيديهم عليها، ثم يرفعونها إلى وجوههم، في مشهد يعكس عمق المعتقد الشعبي ومكانة السيدة نفيسة في قلوب محبيها.

وتتوقف أمام الضريح وجوه كثيرة، لكل منها حكاية مختلفة، شاب يبحث عن الفرج، وأم تدعو لابنها، وامرأة مسنة تغمض عينيها طويلًا وكأنها تستعيد شريط عمر كامل، بينما تهمس أخرى بدعوات متتابعة، وفي هذا الزحام الروحي تتداخل الأصوات، فلا يكاد يسمع الزائر إلا أجزاءً من الدعوات والآيات والهمسات التي تملأ المكان.

ومن المظاهر التي تلفت الأنظار أيضًا ما يفعله بعض الزائرين من ترك أموال أو رسائل مكتوبة داخل محيط الضريح، تحمل كلمات قصيرة وأمنيات شخصية، وكأن أصحابها يريدون أن يتركوا جزءًا من حكاياتهم في المكان.

رسائل تحمل الدعاء والرجاء، أو تعبيرًا عن أمنيات يعتقد أصحابها أن قربهم من المقام يمنحهم قدرًا أكبر من الأمل في تحقيقها، وهو سلوك يرتبط بالموروث الشعبي لدى بعض الزائرين، وليس طقسًا دينيًا واجبًا.

وتظل فكرة كرامات السيدة نفيسة حاضرة بقوة في أحاديث رواد المسجد، فبين الزائرين من يحكي قصة عن أمنية تحققت، أو أزمة انتهت، أو دعاء استجاب الله له بعد زيارة المقام، فيربط صاحب الحكاية بين ما حدث وبين كرامات السيدة نفيسة ومكانتها الروحية، بينما ينظر آخرون إلى هذه الروايات باعتبارها جزءًا من الذاكرة الشعبية التي تناقلتها الأجيال، وبصرف النظر عن اختلاف التفسيرات، تبقى تلك الحكايات أحد أسباب تعلق الناس بالمكان وحرصهم على زيارته.

الجميع في رحاب السيدة نفيسة آمن

لكن أكثر ما يمنح المشهد طابعًا إنسانيًا ربما لا علاقة له بالزائرين أنفسهم، إنها "القطط" التي تتحرك داخل المكان في هدوء، تتجول بين أركانه دون خوف، وتجلس أحيانًا في أماكن قريبة من الزوار، وكأنها تعرف أن هذا المكان، في نظر رواده، مساحة للأمان والسكينة، فيردد البعض بابتسامة أن "الكل هنا آمن.. حتى القطط"، لتصبح تلك الحيوانات الصغيرة جزءًا عفويًا من تفاصيل المشهد اليومي للمسجد.

ولا يمكن فهم تعلق كثير من الزائرين بمقام السيدة نفيسة بعيدًا عن مكانتها التاريخية والروحية في مصر، فقد ارتبط اسمها بالعلم والعبادة والزهد، وأصبح المسجد المقام حول ضريحها واحدًا من أشهر المزارات الدينية في القاهرة، ومقصدًا لأعداد كبيرة من المصريين والزائرين الذين يجدون في المكان فرصة للهدوء والابتعاد قليلًا عن ضغوط الحياة.

وربما لهذا السبب تحديدًا، لا يأتي الجميع إلى السيدة نفيسة بالأسئلة نفسها، ولا يغادرون بالإحساس نفسه، فبينما يبحث أحدهم عن البركة وفق معتقده، يبحث آخر عن لحظة هدوء، ويأتي ثالث فقط ليستعيد ذكرى قديمة ارتبطت بالمكان وأهله، لكنهم جميعًا يلتقون في مشهد واحد؛ أيدٍ مرفوعة بالدعاء، وعيون تبحث عن الطمأنينة، وقلوب تتعلق بالأمل، ومكان يحتفظ بقدر كبير من الحضور في الوجدان المصري.

وفي النهاية، قد تختلف نظرة الناس إلى ما يحدث داخل المقام، وقد تتباين آراؤهم حول لمس الأسوار أو ترك الأموال والرسائل أو الحديث عن الكرامات، لكن المؤكد أن المشهد في مسجد السيدة نفيسة يتجاوز التفاصيل الظاهرة، إنه مشهد عن الإنسان عندما تضيق به الدنيا، فيبحث عن مكان يشعر فيه بالأمان، ويقول ما في قلبه، ويترك للحظة واحدة ثقل الحياة خلفه، ثم يعود إلى الشارع من جديد، حاملًا معه دعوة، أو أمنية، أو مجرد قدر من السكينة.