رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف (من وحي القلم)

أبورعد.. حين يصبح الفقد طريقًا

بوابة الوفد الإلكترونية

   

   

       أبورعد.. حين يصبح الفقد طريقًا

كنت أعمل محررًا في "وطن للأنباء" في الأيام التي كانت فيها جنين تعيش على صفيح ساخن، وكانت الأخبار تصلنا من المخيم متلاحقة، اشتباكات وشهداء وجرحى، ثم أسماء جديدة تدخل إلى قائمة الغياب، وكنا نكتبها بسرعة قبل أن يصلنا الخبر التالي، كأننا نحاول أن نلحق بمدينة كانت تفقد أبناءها أسرع مما نستطيع أن نكتب أسماءهم.

في تلك الأيام استشهد أحد أبناء أبو رعد، في عملية بطولية، وبعد فترة استشهد ابنه الثاني بنفس الطريقة، وبقي أبو رعد واقفًا في قلب المشهد، يحمل فقد أبنائه معه، ويتحدث عن المقاومة كما لو أن الموت لم يأخذ منه ابنين، بل أعطاه سببًا آخر للاستمرار.

جاء أبو رعد إلى رام الله لإجراء مقابلة في تلفزيون "وطن"، طلب مني رئيس التحرير أن أستقبله. دخلنا المصعد معًا، وضغطت على زر الطابق الخامس، وبقينا صامتين، وكنت أفكر في الرجل الذي يقف إلى جانبي بعد أن أخذ الاحتلال منه اثنين من أبنائه.

قبل أن نصل إلى الطابق الخامس، ظهر على هاتفي خبر عن عملية أدت إلى مقتل جنود من جيش الاحتلال، فقرأت الخبر بصوت مرتفع. التفت إليّ أبو رعد وقال بصوته الذي ما زلت أسمعه "بشرف أمك بتحكي جد؟"، وحين أكدت له الخبر، ضحك، ثم بدأ يغني ويرقص داخل المصعد.

لم يكن رقصه نسيانًا لأولاده بل كان يرى في الخبر شيئًا آخر؛ كان يرى أن الطريق الذي بدأه أبناؤه لم ينتهِ، وأن الاحتلال الذي أخذ منه ابنين لم يستطع أن يأخذ منهما الطريق أيضًا، وأن هناك من جاء ليكمل المشوار.

بقيت تلك اللحظة في ذاكرتي لأنني رأيت فيها رجلًا قويًا يعرف كيف يحمل حزنه من دون أن يسمح له بأن يحمله إلى الأسفل، ورأيت أبًا فقد ابنين، لكنه جعل من فقده قوة تدفعه إلى الأمام.

كنت أظن يومها أن المصعد يصعد بنا إلى الطابق الخامس فقط، لكنني عندما عدت إلى تلك اللحظة بعد سنوات شعرت أن المكان كان أوسع من ذلك، وأن الرجل الذي وقف إلى جانبي كان يحمل في داخله بيتًا كاملًا، ويحمل فيه أولاده ويحمل أيضًا شيئًا من جنين التي كانت ترسل إلينا كل يوم أسماء شهدائها.

واليوم، حين جاء خبر استشهاد أبو رعد، وقيل إن الجندي طلب من أبو رعد أن يركع، فأجابه بأنه لا يركع له، وأنه يستطيع أن يقتله وهو واقف، لا أعرف إن كانت الكلمات قيلت بهذه الصيغة تمامًا، لكنني أعرف أن معناها يشبه الرجل الذي عرفته؛ الرجل الذي فقد ابنين ولم يتعلم الانحناء، والذي استطاع أن يحمل الموت في داخله من دون أن يسمح له بأن يسلبه قامته.

الآن أفكر في ذلك المصعد، أفكر في الرجل الذي كان يومها يضحك لأن أحدًا أكمل طريق أبنائه، ثم فهمت أن أبو رعد نفسه أكمل الطريق حتى نهايته، وأنه مات واقفا ولم يركع..

أبو رعد وداعا.