رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لفت نظر

فى ذكرى وفاة الزعيم مصطفى النحاس، لا تستعيد مصر مجرد اسم سياسى من كتب التاريخ، وإنما تستعيد نموذجاً نادراً للزعامة المصرية؛ زعامة جمعت بين الوطنية والديمقراطية، وبين التدين والليبرالية، وبين الصرامة السياسية والزهد الشخصى، حتى أصبح النحاس واحداً من أكثر الشخصيات تعقيداً وثراء فى تاريخ مصر الحديث.
اختزال النحاس فى لقب «زعيم الوفد» يظلمه؛ لأن الرجل كان، فى جانب مهم من شخصيته، تعبيراً عن مرحلة كاملة من تاريخ مصر، حين كانت الليبرالية المصرية تعنى قبل كل شىء أن تكون الأمة مصدر السلطات، وأن يكون الدستور فوق الحاكم، وأن تكون المواطنة أوسع من الاختلاف الدينى.
لم يصنع النحاس زعامته فى القصور، وإنما خرج من بيئة مصرية متوسطة، وبدأ حياته العملية موظفاً صغيراً فى التلغراف، ثم واصل تعليمه حتى تخرج فى مدرسة الحقوق، وعمل فى القضاء قبل أن ينخرط فى الحركة الوطنية. وكان من رجال ثورة 1919 وأحد أبرز مساعدى سعد زغلول، ثم أصبح بعد وفاة سعد عام 1927 زعيماً للوفد.
وهنا تكمن أولى سمات شخصيته لم يكن النحاس زعيماُ صنعته السلطة، بل زعيماً صنعته الحركة الوطنية والشارع والانتخابات.
كان الوفد فى زمنه أكثر من حزب سياسى؛ كان عنواناً للوطنية المصرية، وكان النحاس فى نظر ملايين المصريين تجسيداً لهذا المعنى.
ومن أكثر الجوانب التى تستحق إعادة قراءة فى شخصية النحاس أنه كان ليبرالياً سياسياً، لكنه لم يكن بعيداً عن الدين أو منفصلاً عن البيئة الإسلامية المصرية.
لقد نشأ على حفظ القرآن فى كُتَّاب القرية، وكان معروفاً بتدينه الشخصى. وتتناول بعض الروايات التاريخية علاقته برجال التصوف وأولياء الله، وتصف هذا الجانب بأنه كان ملمحاً من ملامح شخصيته الروحية.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة فى شخصية النحاس: كان متديناً فى حياته الخاصة، ومدنياً فى رؤيته للدولة بلا تناقض. ولم يرَ تعارضاً بين أن يكون الإنسان مؤمناً وبين أن تكون الدولة دولة مواطنة ودستور وقانون.
وهذا تحديداً هو الجانب الذى يجعل وصف النحاس بأنه «ليبرالى متصوف» أكثر دلالة من وضعه فى خانة سياسية واحدة.
إن التصوف، فى تجربته الشخصية كما تروى بعض الشهادات، لم يكن مشروعا سياسيا، وإنما كان أقرب إلى علاقة روحية وأخلاقية؛ بينما الليبرالية عنده مشروع لإدارة الدولة وحماية المجتمع.
أما السؤال.. لماذا أحب المصريون النحاس؟
ربما تكمن الإجابة فى أن النحاس لم يكن زعيماً فوق الناس.
بل كان قريباً من صورة المصرى البسيط: هادئاً، محافظاً، متديناً، لكنه فى الوقت نفسه صاحب مشروع سياسى حديث.
ولم يكن صاحب «كاريزما» خطابية صاخبة مثل سعد زغلول، لكنه امتلك شيئاً مختلفاً: الاستمرارية والقدرة على حمل مشروع الوفد سنوات طويلة.
وعندما توفى عام 1965، خرجت الجماهير فى جنازته بصورة ضخمة، وامتلأت المناطق المحيطة بميدان التحرير، وانتهت مراسم الصلاة عليه فى مسجد الحسين. وكان ذلك بعد سنوات من إقصائه عن الحياة السياسية وحل الأحزاب وسجنه فترة مع زوجته زينب الوكيل.
وهذه الجنازة تقول شيئاً بالغ الدلالة: الزعامة الشعبية يمكن أن تتراجع سياسياً، لكنها لا تختفى بالضرورة من الذاكرة الوطنية.
فى ذكرى الرحيل.. لماذا نحتاج إلى قراءة النحاس اليوم؟
لأن مصر لا تحتاج فقط إلى استدعاء أسماء زعمائها، وإنما إلى استعادة الأفكار التى جعلتهم زعماء.
والدرس الأكبر فى تجربة النحاس أن الوطنية ليست نقيض الليبرالية، وأن التدين ليس نقيض الدولة المدنية، وأن الدفاع عن الدستور لا يعنى التفريط فى الهوية الوطنية.
وكان النحاس ابناً لمصر القديمة، لكنه حمل مشروعًا سياسيًّا ينتمى إلى مصر الحديثة.
ولهذا لا ينبغى لذكراه أن تكون مجرد مناسبة للحنين إلى زمن مضى، وإنما فرصة لطرح سؤال أكثر أهمية:
هل تستطيع السياسة المصرية أن تستعيد نموذج الزعيم الذى يؤمن بالدين دون أن يستخدمه، ويدافع عن الوطنية دون أن يحتكرها، ويتمسك بالديمقراطية ولو عندما يكون الطريق إليها أكثر كلفة من الوصول إلى السلطة؟
ربما هنا تكمن قيمة مصطفى النحاس.
فقد مات الرجل وتغير النظام السياسى، وتبدلت مصر مرات عديدة، لكن الفكرة التى حملها ظلت حية:
أن تكون مصر وطناً لكل المصريين، وأن تكون الدولة أكبر من الحزب، والدستور أقوى من الحاكم، والزعامة مسئولية أمام الأمة لا امتيازاً فوقها.
وهذه، فى النهاية، هى القيمة الحقيقية التى تجعل مصطفى النحاس واحداً من الزعماء الذين لم تنته حياتهم السياسية بوفاتهم، لأن بعض الزعامات تموت أجساد أصحابها، بينما تبقى أفكارها تبحث عن زمن جديد.

[email protected]