رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

يقع شارع سوق السلاح فى منطقة الدرب الأحمر بجنوب القاهرة، يحيطه جنوبًا ميدان قلعة صلاح الدين وجامع الرفاعى ومدرسة السلطان حسن ومسجدى قانيباى الرماح وجوهر اللالا، ويقع باب الوزير وباب الوداع إلى الشرق من الشارع، وفى الشمال الجامع الأزهر والحسين وخان الخليلى وشارع المعز، ويتقاطع الشارع فى نهايته الشمالية مع باب الوزير وشارع «حمام بشتاك»، ويعتبر شارع سوق السلاح الامتداد الجنوبى لشارع المعز.
وقد وصلتنى رسالة من صديق نقلًا عن الاستاذ فاروق شرف، تروى حكاية رائعة وجميلة عن أحد معالم مدينة القاهرة القديمة، ولأهميتها التاريخية قمت بإعادة صياغتها لتصبح فى شكل مقالة، وهى كالتالى:
هل يمكن لشارع صغير أن يحمل فى طياته حكاية مدينة كاملة؟، نعم: فى القاهرة، لا تحتاج أحيانا إلى قصر عظيم أو مسجد شامخ حتى تشعر بعظمة التاريخ. يكفى أن تدخل زقاقًا قديمًا، وأن تمشى بضع خطوات وأن تشاهد بعينيك حجارة عاشت مئات السنين، ثم تترك قلبك يسمع ما لا تقوله الكتب. وهنا يأتى سوق السلاح، شارع يبدو اليوم للعين العابرة كواحد من شوارع القاهرة القديمة، لكنه كان فى زمن مضى مكانا تضج فيه الحرف، وتتعالى فيه أصوات المطارق، ويعمل فيه رجال ارتبطت صناعتهم مباشرة بأمن المدينة وقوة الدولة. لكن، لماذا سُمّى سوق السلاح؟، وللاسم حكاية، ففى بداياته كان يُعرف باسم «سويقة العز»، نسبة إلى «الأمير عز الدين بهادر»، أحد أمراء المماليك البحرية، ثم تغيرت ملامح المكان مع الزمن، وبدأ الناس يطلقون عليه الاسم الذى حمله إلى يومنا هذا، سوق السلاح: ولم يكن الاسم مجرد تسمية شعبية عابرة، فقد انتشرت فى الشارع ورش صناعة الأسلحة المختلفة؛ من السيوف والرماح والدروع وغيرها، وكان السوق يؤدى دورا مهما فى توفير احتياجات التسليح المرتبطة بالقلعة فى عصر المماليك. وهنا يصبح الاسم نفسه وثيقة تاريخية، فكلما نطقنا: سوق السلاح، كأننا نسمع من بعيد، صوت المطرقة على الحديد، شارع كان يصنع القوة، ماذا كانت القاهرة منذ قرون، القلعة فوق الجبل، ومقر الحكم قريبا، والفرسان يتحركون فى شوارع المدينة، والجند يستعدون، والحرفيون يعملون فى صمت وتركيز. وفى هذا المكان كان الصانع يعرف أن ما يخرج من بين يديه ليس مجرد قطعة معدنية، السيف يحتاج إلى مهارة، والدرع يحتاج إلى دقة، والرمح يحتاج إلى صانع يعرف كيف يجعل الأداة قوية ومتوازنة. ومن هنا كانت الحرفة جزءا من قوة الدولة. لم يكن المماليك وحدهم هم أصحاب القرار فى ميادين السياسة والحرب؛ كان خلفهم جيش من الحرفيين الذين صنعوا الأدوات التى تحتاج إليها الدولة. وهؤلاء الرجال، ربما لم تذكر كتب التاريخ أسماء معظمهم. لكن آثار أيديهم بقيت. وحين تغير الزمن، تغير السوق، وكما يفعل الزمن دائما، تغيّر كل شيء. تراجعت الحاجة إلى الأسلحة التقليدية، فلم تعد السيوف والدروع والرماح هى أدوات الحرب الرئيسية. فتحولت بعض الورش إلى إصلاح الأسلحة النارية من المسدسات والبنادق، ثم تراجع هذا النشاط أيضا حتى اختفى تقريبا فى خمسينيات القرن العشرين. وتغيرت الأنشطة التجارية، وتغيرت الوجوه، وتغيرت القاهرة من حوله. لكن الاسم بقى: سوق السلاح، وهنا تكمن روعة القاهرة القديمة: قد تختفى الحرفة، وقد يتغير الناس، وقد تتبدل وظيفة المكان، لكن الذاكرة لا ترحل بسهولة. وحين تمشى فى سوق السلاح، لا تنظر أمامك فقط، ارفع عينيك، تأمل العمارة، ابحث عن التفاصيل. فهذه المنطقة من القاهرة التاريخية ليست مجرد شارع تجاري؛ وإنما جزء من نسيج عمرانى وأثرى شديد الثراء. وحول سوق السلاح وفى محيطه تنتشر منشآت إسلامية من عصور مختلفة؛ مساجد وأسبلة وقباب ومنشآت ارتبطت بالحياة اليومية لأهل القاهرة، حتى أصبح المشى فى المنطقة أشبه بفتح صفحات متتابعة من كتاب كبير. والمثير أن بعض هذه الآثار قد يمر أمامها الإنسان عشرات المرات دون أن ينتبه إلى قيمة ما يراه. وهذه هى القاهرة، تخفى كنوزها فى التفاصيل. هنا لا يزال التاريخ يعيش بين الناس، لكن أجمل ما فى هذه المنطقة ليس الحجر وحده، إنه الإنسان، أهل المناطق التاريخية فى القاهرة ورثوا شيئا لا يمكن أن تسجله الخرائط: روح المكان، قد تدخل شارعا ضيقا، فتجد من يرحب بك وكأنك من أهل الدار، وقد تسأل عن مسجد أو سبيل أو أثر، فيتطوع أحد أبناء المنطقة ليأخذك إليه، ويحكى لك ما يعرفه الآباء والأجداد.
وهنا تدرك أن التراث ليس مبانى فقط، بل أيضا، ناس، وذكريات، وحكايات تنتقل من جيل إلى جيل.

محافظ المنوفية الأسبق