فى الحومة
نحن بحاجة ماسة وضرورية لاستلهام الروح العظيمة والمكتسبات الكبرى لثورة ١٩١٩ والتى أحدثت نقلة كبرى وتغيرا دوليا فى المنطقة العربية والأفريقية والأسيوية وأثرًا إقليميًّا ودوليًّا واسعًا، إذ يُنظر إليها تاريخيًّا كواحدة من أولى المظاهر الحديثة لثورات الشعوب وحركات التحرر الوطنى ضد الاستعمار فى القرن العشرين، حيث قادت مصر نحو الاستقلال بإلغاء الحماية البريطانية وإجبارها على إصدار تصريح 28 فبراير 1922 والذى أنهى الحماية وأعلن مصر دولة مستقلة ذات سيادة، كما أدت إلى التحول إلى النظام الدستورى بوضع دستور 1923 وتأسيس أول برلمان مصرى منتخب وتشكيل أول حكومة برلمانية برئاسة سعد زغلول عام 1924، كما أسهمت فى ترسيخ الهوية الوطنية بتوحيد جميع أطياف الشعب المصرى وتشكيل الوعى الوطنى وتعزيز قيم الانتماء للوطن فى أبهى صوره، وكان للآباء المؤسسين والزعامة التاريخية لخالد الذكر سعد زغلول والذى وافته المنية فى ٢٣ أغسطس ١٩٢٧ والزعيم مصطفى النحاس الذى توفى فى ٢٣ أغسطس ١٩٦٥ والزعيم فؤاد سراج الدين الذى لقى ربه فى ٩ أغسطس ٢٠٠٠ ورصيد هؤلاء الزعماء عظيم فى نفوس المصريين فلهم الفضل الأول فى إرساء قيم المواطنة والوحدة الوطنية والاستقلال التى تمثل ركائز للهوية المصرية، ومن هنا فإن ذكرى ٢٣ أغسطس لدى الوفديين تمثل يومًا محفورًا فى تاريخ الوطنية المصرية، حيث تحل فيه ذكرى رحيل المؤسس والقائد التاريخى لحزب الوفد ورائد الحركة الوطنية وزعيم الأمة سعد زغلول، إلى جانب رحيل خلفه زعيم الأمة مصطفى النحاس فى اليوم نفسه ٢٣ أغسطس الذى أصبح يوما للاحتفاء واستلهام روح ثورة ١٩ المجيدة واعتبارها مناسبة ومحطة سنوية لتأكيد الالتزام بمبادئ «ثورة ١٩١٩ ويتجمع الوفديون أمام ضريح سعد لتجديد العهد والربط بين جيل المؤسسين والجيل الحالى للحفاظ على الهوية الوفدية، ولا شك أن ما كتب عن سعد والنحاس وسراج الدين مجلدات كثيرة لكتاب وساسة عظام تحدثوا عن زعامة شعبية غير مسبوقة لسعد، ولم ينكر تلك الزعامة أحد من خصومه عبر السنين، فقد قاد ثورة ١٩١٩ وأسس مع رفاقه الوفد المصرى للمطالبة بإنهاء الحماية البريطانية واستقلال مصر، وأدى نفيه إلى جزيرة مالطا عام 1919 إلى اندلاع الثورة الشعبية العارمة، ما أجبر بريطانيا على الإفراج عنه والاستجابة لمطالب الشعب، وقال عنه طه حسين كان سعد زغلول يمثل الضمير المصرى فى أصفى صورة وأقواها، ولم يكن خلقه للسياسة وحده بل كان معلمًا ومربيًا للأمة قبل أن يكون رئيسًا للوزراء، وشهد له المندوب السامى البريطانى فى مصر إن سعد زغلول هو الخصم الأشد خطورة الذى واجهته بريطانيا فى الشرق الأوسط، لأنه لم ينطق برغباته الشخصية بل كان ينطق باسم إرادة أمة بأكملها وذكر الكاتب والمستشرق الفرنسى جاك بيرك إن سعد زغلول هو الذى أدخل مصر عصر السياسة الجماهيرية الحديثة وحوّل المطالب الوطنية من شكاوى يقدمها الأعيان إلى ثورة يشارك فيها الفلاح والمرأة والعامل والحقيقة أن ثورة ١٩ بقيادة الزعيم سعد زغلول كانت نموذجا ملهما لكافة الثورات العربية والاسيوية والافريقية، حيث أثبتت إمكانية استخدام العصيان المدنى والإضرابات ومقاطعة البضائع الأجنبية ومن مقولات سعد الشهيرة أن مقاطعة الخصم هى أجدى سلاح فى يد الشعب للضغط على سلطات الاستعمار ولهذا أجبرت بريطانيا على مراجعة سياساتها الاستعمارية التقليدية المتمثلة فى إدارة المستعمرات بالقوة العسكرية المباشرة التى أصبحت مكلفة وغير مستدامة، ما دفعها لإعلان تصريح ١٩٢٢ وتبقى مكانة وزعامة سعد لدى الشعب لأسباب عدة منها لإيمانه الراسخ ودفاعه القوى عما يعتقد وادراكه للمخاطر والتحديات، وثبات مواقفه الوطنية وتصديه لكافة أشكال الاستعمار وخطورة العبث بالهوية المصرية، فهو البطل الحقيقى لمعركة تمصير التعليم ولولا ذكاؤه وخططه المدروسة لافشال المشروع الاستعمارى البريطانى والفرنسى لجعل التعليم باللغة الإنجليزية، وهذا لعمرى موضوع لا يقل أهمية بل يزيد عن قضية الاستقلال الوطنى، فلو تمكن المستعمر فى سنوات قليلة من هذا الأمر لما كان هناك شعب يقاوم ويدافع عن وطنه وهويته، فمحطات كثيرة جعلت من سعد زعيما لا يبارى فهو صاحب المقولة الخالدة الحق فوق القوة والأمة فوق الحكومة. وتوفى سعد فى ٢٣ أغسطس ١٩٢٧ ومن ذا الذى يجلس على كرسى سعد ويملأ هذا الفراغ، إنها مهمة صعبة أن تأتى خلفا لرمز التفت حوله الأمة، وإذ بمصطفى النحاس رفيق سعد بجدارة وقوة وعزيمة لا تلين يخوض معارك سياسية شرسة ضد الاستعمار البريطانى والسلطة الملكية والمفاوضات الصعبة، وكان له دور رئيسي فى دعوة الدول فى ١٩٤٤ وتشكيل الجامعة العربية فى الإسكندرية وفى خطابه الشهير أمام البرلمان قال من أجل مصر وقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها، وأعلن إلغاء المعاهدة وأطلق شرارة الكفاح المسلح ضد القوات البريطانية فى منطقة القناة، وقد وصفته التقارير البريطانية بأنه السياسى الوحيد فى مصر الذى يستطيع إغلاق الشارع المصرى أو تحريكه بكلمة واحدة وهو رجل صارم لا يسهل التنبؤ بقراراته عندما تتعلق بالسيادة والكرامة الوطنية، وكانت ذكرى وفاة سعد لا تفارقه فمات فى ٢٣ أغسطس ١٩٦٥ فى جنازة شعبية مهيبة كأنها شهادة للتاريخ. هكذا يودع الشعب زعماءه ويكمل الزعيم الثالث فؤاد سراج الدين تلك المسيرة العظيمة بعودة الوفد إلى المشهد السياسى فى نضال طويل ومعارك سياسية وقضائية ليرفع شعار عاش الوفد ضمير الأمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض