رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

لم يكن القصف الإسرائيلي لقاعدة أبو الظهور الجوية العسكرية في سوريا هذا الأسبوع مجرد ضربة معتادة لمنشأة عسكرية سورية، بل حمل في توقيته وطريقة تقديمه سياسيًا رسالة احراج  مباشرة إلى أنقرة.

أعلنها  امس وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس قائلا  إن أردوغان يقود تركيا إلى "مغامرات خطيرة في سوريا"، مؤكدًا أن إسرائيل لن تسمح لأي طرف بتهديد أمنها، ومضيفًا أن الأفضل لأردوغان أن يواصل إلقاء خطاباته ضد إسرائيل في البرلمان التركي بدلًا من اختبار عزيمة إسرائيل على الدفاع عن نفسها.

لكن أنقرة لم تتعامل مع التصريحات الإسرائيلية باعتبارها مجرد حرب كلامية.

ففي رد يحمل دلالة استراتيجية واضحة، أعلنت وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تعتزم مواصلة دعم الحكومة السورية في بناء قدراتها العسكرية، وقالت إن تركيا ستواصل دعم سوريا في الأنشطة الرامية إلى بناء بنيتها التحتية وقدراتها العسكرية، في إطار مبدأ "الجيش الواحد".

وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

 

فالموقع الذي تعرض للقصف لا يبعد سوى نحو 55 كيلومترًا عن الحدود التركية، وكان بستعد لاستقبال 200 جندي تركي.

ومن هنا يمكن فهم لهجة نتنياهو وكاتس.

فنتنياهو لا ينظر إلى التحرك التركي في سوريا باعتباره مجرد مساعدة لحكومة سورية جديدة، وإنما باعتباره جزءًا من مشروع أوسع لإعادة تشكيل ميزان القوى  وحصار إسرائيل 

فالرسالة الإسرائيلية إلى أردوغان 

 لن نسمح أن  تبني تركيا قوس نفوذ حول إسرائيل 

فأنقرة لا تتحرك في سوريا وحدها.

فتركيا عززت حضورها عسكريا في الصومال ودبلوماسيا مع القاهرة والرياض 

وبالتالي، فإن إسرائيل تنظر إلى التحرك التركي من منظور جغرافي أوسع بكثير من حدود سوريا.

 بينما ترتبط هذه المساحات بممرات استراتيجية تمتد من شرق المتوسط إلى البحر الأحمر وصولًا إلى باب المندب.

وهنا تصبح القضية بالنسبة لإسرائيل ليست قاعدة أبو الظهور وحدها، وإنما احتمال ظهور شبكة من نقاط النفوذ التركية حول بيئة الأمن الإسرائيلية. في ظل هزيمتها سياسيا في حربها مع إيران 

ومن هذه الزاوية تحديدًا، يمكن فهم  قلق نتنياهو تجاه مشروع أردوغان.

فهو لا يتحرك بدافع الحنين التاريخي إلى الدولة العثمانية فقط، بل اتخذ خطوات تنفيذية  علي خطي السلطان العثماني سليم الأول

فكما سيطر سليم علي  سوريا عقب معركة مرج دابق،

ومن خلالها سيطرة علي العالم العربي وأعلن نفسه خليفة المسلمين  كذلك يسعي أردوغان من باب دمشق 

 ولكن بأدوات القرن الحادي والعشرين: 

تركيا نقلت بالفعل نفوذًا عسكريًا كبيرًا إلى شمال سوريا، وهناك عدد من المواقع والنقاط العسكرية التركية داخل الأراضي السورية.

وفي مايو الماضي، بينما تل أبيب متعثرة في الحرب علي إيران  أُجريت لأول مرة تدريبات مشتركة بين الجيش السوري والجيش التركي 

وهذا هو جوهر القلق الإسرائيلي.

 فهناك مشروع لبناء جيش سوري مكون من عشرات الآلاف من الجنود، يصبح قادرًا على الوصول للقدس 

 

ومن هنا ظهرت داخل بعض الأوساط الإسرائيلية عقب قصف قاعدة ابوالظهور قراءة دينية وأيديولوجية تربط التطورات الحالية بنبوءة  حرب حزقيال في العهد القديم، والتي تتحدث عن تحالف عسكري يأتي من منطقة الشمال لمهاجمة أرض إسرائيل في "نهاية الأيام"، قبل أن يتدخل الله لتدمير هذا الجيش.

وبغض النظر عن صحة هذه القراءة أو طبيعتها الدينية، فإن مجرد حضورها في الخطاب الإسرائيلي يكشف أن بعض دوائر التفكير تنظر الي سوريا بعين الحقد و مصدر للخطر 

لهذا السبب تحديدًا، يصبح الهجوم على أبو الظهور أكثر أهمية. فاليمين المتطرف الذي يحكم تل أبيب يسطر عليه الهوس الديني ..

ولان القاعدة المستهدفة ليست بعيدة عن الحدود التركية، وكانت مرتبطة بخطط لتواجد قوات تركية

فهذا ما جعل العديد من الأتراك يرون في الضربة إهانة لتركيا، خصوصًا مع خروج نتنياهو وقيادات إسرائيلية بتهديدات مباشرة لأردوغان تحمل قدرًا واضحًا من السخرية والاستهانة به.

وهنا تصبح المسألة أخطر.

لأن الرسالة لم تعد:

"نحن نضرب سوريا."

بل: نحن نضرب  الهيبة التركية  ونضع لأردوغان خطوط حمراء ونسخر منه فهو عاجز عن الرد.  وفي ذلك إهانة بالغة لقاعدة أردوغان الشعبية .التي بالفعل أصبحت في حالة غضب عارم وتطالبه بالرد 

وتذكره بأن على أنقرة ألا تكرر، من وجهة النظر الاستراتيجية، الخطأ الذي وقعت فيه إيران.

فإسرائيل اعتادت خلال سنوات استهداف مواقع مرتبطة بإيران في سوريا، بينما كانت طهران تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل بسبب تلك الضربات.

ثم تطورت الأحداث، وتغيرت البيئة السورية،برحيل نظام بشار الأسد  وانتهى الأمر إلى انتقال المواجهة إلى مستوى مباشر مع إيران نفسها واعلان الحرب عليها 

ولهذا فإن السؤال بالنسبة لتركيا هو:

هل تسمح بأن تتحول الضربات الإسرائيلية على البنية العسكرية التركية في سوريا  إلى أمر واقع جديد، أم ستضع منذ البداية خطوطًا حمراء واضحة؟

لأن قبول ضرب المنشآت المرتبطة ببناء الجيش السوري قد يؤدي مستقبلًا إلى توسيع دائرة الاستهداف.

وقد يكون السيناريو الأخطر أن تنتقل إسرائيل من ضرب منشآت سورية مرتبطة بالتعاون التركي إلى استهداف منشآت تركية بصورة مباشرة. 

فمنظومات الدفاع الجوي التركية في ولاية هاتاي باقليم أنطاكيا، على سبيل المثال، يمكن أن تدخل يومًا ما في الحسابات الإسرائيلية إذا اعتبرت تل أبيب أنها أصبحت جزءًا من منظومة دفاعية تهدد حرية عمل طيرانها 

وبذلك يمكن أن تتسع دائرة المواجهة من قاعدة سورية إلى بنية عسكرية تركية..

 

و السؤال الحقيقي  الآن 

ما الثمن الذي ستدفعه إسرائيل بعد السخرية من أردوغان؟

 

تركيا دولة عضو في حلف الناتو، وتمتلك اقتصادًا كبيرًا، وجيشًا تقليديًا قويًا، وصناعة دفاعية متقدمة، وعلاقات دولية واسعة، وتتحرك عبر مؤسسات الدولة والاتفاقات الحكومية المباشرة.

والأهم أنها خلال السنوات الأخيرة نجحت في تخفيض مستوى التوتر مع قوى إقليمية كانت على خلاف معها، وفي مقدمتها مصر والسعودية.

وهذه نقطة شديدة الأهمية وبالنسبة لها هذا وضع افضل من إيران. 

فإيران اعتمدت بدرجة كبيرة على شبكات  ومنظمات، مثل حزب الله والحوثيين وغيرهما.

أما تركيا فتتحرك بصورة أكبر من خلال حكومات وجيوش ومؤسسات رسمية.

وهذا يجعل النفوذ التركي مختلفًا في طبيعته عن النفوذ الإيراني، لذا فهو أكثر فاعلية ويشكل خطر أكبر علي إسرائيل المرهقة سياسيا و اقتصاديا  وسياسيا بعد تعثرها في الحرب علي إيران. 

 

وفي هذا السياق يأتي اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، الذي يضيف إلى أنقرة شبكة جديدة من العلاقات الدفاعية الإقليمية. وإذا أعلنت حكومة دمشق الانضمام الي تلك الاتفاقية فسوف تختلف قواعد اللعبة تماما  وسوف يكون هناك غطاء لتواجد قوات باكستانية وتركية على الحدود الإسرائيلية. 

 

ومن هنا يبدأ المسرح الحقيقي للصراع

فإذا قررت أنقرة الرد، فلن يكون الرد بالضرورة داخل سوريا فقط عبر نشر منظومة رادارات في إدلب  تعمل علي شل حركة الطيران الإسرائيلي 

بل المسرح الاستراتيجي يمتد من شرق المتوسط إلى قبرص واليونان، ثم إلى البحر الأحمر وباب المندب.

فشرق المتوسط هو أحد أهم مسارح التنافس التركي الإسرائيلي.

وقبرص واليونان حلفاء نتنياهو تمثلان عقدتين أساسيتين في الحسابات البحرية والطاقة والأمن الإقليمي.

أما البحر الأحمر وباب المندب، فيمثلان الامتداد الجنوبي لهذا الصراع.

وهنا يظهر البعد الصومالي.

فوجود تركيا في الصومال لا يمكن فصله عن أهمية البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، وهي المنطقة التي تتحكم في أحد أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية.

وبالتالي، فإن توسع النفوذ التركي في الصومال، بالتزامن مع تعزيز نفوذها في سوريا، يضع تركيا على طرفي المعادلة الجغرافية: شمالًا في بلاد الشام، وجنوبًا عند بوابة البحر الأحمر.

 

لكن أنقرة لا تمتلك فقط أدوات عسكرية.

لديها أيضًا أدوات اقتصادية واستراتيجية.

وأبرزها الطاقة.

فتركيا تتحكم في موقع جغرافي بالغ الأهمية بالنسبة إلى حركة النفط الي إسرائيل عبر ميناء جيهان التركي  والذي يزود إسرائيل 46% من إجمالي وارداتها النفطية 

ولهذا يمكن لأردوغان، إذا وصلت المواجهة إلى مستوى أعلى، حرمان تل أبيب من النفط كورقة ضغط 

 

وهنا تصبح المواجهة أكبر من صاروخ مقابل صاروخ يدفع فيها نتنياهو ثمن فادح

خاصة ان 

التحرك التركي لن يكون بالضرورة وفق الجدول السياسي لنتنياهو، وإنما وفق جدول استراتيجي حسب  التوقيت العثماني 

فإذا كان نتنياهو يريد تحويل التصعيد إلى ورقة سياسية وانتخابية قبل انتخابات أكتوبر القادم يغطي به فشله في الحرب علي إيران 

فإن أنقرة قد تكون معنية بحرق ذلك  الغطاء .

و اذا كانت  إسرائيل أرادت من القصف أن ترسم لتركيا حدود حركتها في سوريا، فقد يكون التحدي الحقيقي بالنسبة لتل أبيب الآن  هو أن تكتشف أن تركيا بدأت، بعد هذه الضربة، في رسم حدود جديدة للحركة الإسرائيلية نفسها بالتعاون  مع إيران 

فإن لم يفعل السلطان أردوغان هذا الأمر فسوف يكون أمام الأتراك مجرد ظاهرة صوتية أصابها الموت السياسي 

أن اكتف بالخطاب السياسي كما قال  وزير الدفاع الإسرائيلي ساخرا 

لذلك يمكن القول إن قصف قاعدة ابوالظهور هو أصعب اختبار سياسي يواجه أردوغان