رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

فعالية جديدة من نادي سينما المرأة في الأوبرا المصرية

بوابة الوفد الإلكترونية

أقام المركز القومي للسينما، برئاسة الدكتور أحمد صالح، فعالية جديدة من نادي سينما المرأة، والتي تديرها الناقدة السينمائية شاهنده محمد علي، بسينما الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد من المهتمين بالشأن السينمائي.

وتضمنت الفعالية عرض مجموعة من الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية واجتماعية مرتبطة بالمرأة والأسرة والهوية، ضمن مشروعات مدرسة السينما والتليفزيون برئاسة المخرجة الدكتورة منى الصبان أبرزهم فيلم نص حاله.

في المسافة الفاصلة بين ما نعيشه وما نتمنى أن نعيشه، يولد أحيانًا عالم آخر لا تحكمه قوانين الواقع، ولا تخضع تفاصيله للمنطق، لكنه بالنسبة لصاحبه يصبح أكثر صدقًا من الحياة نفسها. ومن هذه المنطقة النفسية الشائكة يأتي الفيلم القصير "نص حالة"، من إخراج محمد حافظ وتأليف منال مغربي، في تجربة درامية تتناول الإنسان عندما يعجز عن التصالح مع واقعه، فيبدأ تدريجيًا في صناعة واقع بديل داخل أحلامه.

الفيلم هو مشروع تخرج من المدرسة العربية للسينما والتلفزيون، تحت إشراف الدكتورة منى الصبان، ويقترب من عالم نفسي شديد التعقيد، من خلال شخصية امرأة لا تعيش فقط أزمة مع ظروفها، وإنما تعيش صراعًا أعمق مع صورتها عن الحياة التي كانت تتمنى أن تكون عليها.
 منذ البداية، لا تبدو الشخصية وكأنها تبحث عن الهروب لمجرد الهروب، وإنما تحاول أن تجد في الخيال شيئًا عجز الواقع عن منحه لها. فكلما اصطدمت بما لا تريده، أو شعرت بأنها محاصرة داخل حياة لا تشبه أحلامها، تفتح لنفسها بابًا إلى عالم آخر، عالم تستطيع فيه أن تكون كما تتمنى، لا كما فرضت عليها الظروف أن تكون وهنا يبدأ الفيلم في طرح سؤاله الأساسي: ماذا يحدث للإنسان عندما يصبح الواقع بالنسبة له أقل احتمالًا من الوهم؟

شخصية الفيلم تعيش تناقضًا لافتًا داخل أحلامها؛ ففي لحظات تظهر بصورة امرأة ثرية، تمتلك ما تحلم به من حياة ورفاهية ومكانة، وفي لحظات أخرى تجد نفسها في صورة امرأة فقيرة، وكأن عقلها نفسه يعكس حالة الصراع التي لا تستطيع الخروج منها.

وهذا التناقض لا يبدو مجرد اختلاف في تفاصيل الأحلام، وإنما يتحول إلى انعكاس مباشر لحالة الشخصية النفسية. فهي لا تعرف تحديدًا أي صورة منها هي الحقيقية، ولا أي حياة تريد أن تنتمي إليها، فتظل معلقة بين رغبة في امتلاك كل شيء، وخوف من فقدان كل شيء، وبين واقع ترفضه وحلم تتمسك به، حتى يصبح الخط الفاصل بين العالمين شديد الضبابية.
الأكثر قسوة في تجربة الشخصية أنها لا تعيش حلمًا واحدًا واضح المعالم، وإنما تعيش أحلامًا متناقضة، وكأن داخلها أكثر من صوت، وأكثر من رغبة، وأكثر من حياة لم تستطع أن تعيشها في الواقع.

ومع استمرار هذه الحالة، تدخل الشخصية في دائرة من الاضطرابات النفسية المتكررة، خاصة مع عدم انتظامها في العلاج وتوقفها عنه على فترات. وهنا لا يقدم الفيلم العلاج باعتباره تفصيلًا عابرًا، وإنما يجعله جزءًا من الصراع؛ فكل محاولة للعودة إلى الواقع تصطدم برغبتها في العودة إلى العالم الذي صنعته لنفسها داخل أحلامها.
إنها ليست فقط امرأة تحاول أن تتذكر أين تنتمي، بل إنسانة أصبحت غير قادرة على تحديد أي عالم أكثر صدقًا بالنسبة إليها: العالم الذي تعيشه بالفعل، أم العالم الذي تمنحه لها أحلامها.

ومن هنا تأتي خصوصية عنوان الفيلم «نص حالة»؛ فالحالة التي نراها ليست مكتملة، ولا يمكن وضعها بسهولة داخل تعريف واحد. الشخصية نفسها تبدو وكأنها عالقة في المنتصف؛ ليست هنا بالكامل، وليست هناك بالكامل. نصفها يعيش في الواقع، والنصف الآخر يصر على صناعة حياة بديلة، أكثر قربًا من رغباتها وأمنياتها.

ويحاول الفيلم أن يضع المشاهد داخل عقل الشخصية بدلًا من أن يكتفي بمراقبتها من الخارج، فالأحداث لا تدور فقط حول ما يحدث لها، وإنما حول الطريقة التي ترى بها هي ما يحدث. ولهذا تصبح الأحلام جزءًا أساسيًا من البناء الدرامي، لأنها تكشف ما تعجز الشخصية عن قوله في الواقع.

فالثراء في حلمها ليس مجرد امتلاك للمال، والفقر ليس مجرد غياب له، وإنما كلاهما يحملان دلالات أعمق مرتبطة بالإحساس بالقيمة، والأمان، والاحتياج، والرغبة في أن تصبح شخصًا آخر. وكأن العقل الباطن يعيد تشكيل حياتها في صور مختلفة، بحثًا عن إجابة لسؤال لا تستطيع هي نفسها الإجابة عنه: من أنا إذا لم أكن المرأة التي أجبرني الواقع على أن أكونها؟

ويصبح رفض الواقع، مع الوقت، أكثر من مجرد موقف نفسي؛ يتحول إلى وسيلة دفاع. فبدلًا من مواجهة الألم، تصنع الشخصية مساحة يمكنها أن تختبئ فيها. وبدلًا من تقبل ما لا تستطيع تغييره، تعيد كتابة حياتها في خيالها بالصورة التي تريدها.

لكن المشكلة أن الهروب إلى الخيال لا يلغي الواقع، فالواقع يظل موجودًا في انتظارها كلما انتهى الحلم، وهو ما يجعل العودة إليه أكثر إيلامًا. ومع تكرار الدورة، تصبح الشخصية عالقة في دائرة مغلقة: رفض للواقع، هروب إلى الحلم، لحظة من الرضا داخل العالم البديل، ثم عودة مؤلمة إلى الواقع، يتبعها اضطراب جديد ومحاولة أخرى للهروب.
ومن الناحية الدرامية، يمنح هذا الصراع الفيلم مساحة واسعة للتعامل مع مفهوم الواقع والوهم، دون أن تكون الإجابة سهلة أو مباشرة. فالمشاهد نفسه يجد نفسه أمام حالة من عدم اليقين: هل ما نراه هو الحقيقة؟ أم أن الحقيقة أصبحت مجرد وجه آخر من وجوه الحلم؟

وهنا تكمن قوة الفكرة، لأن الفيلم لا يضع الشخصية في مواجهة الآخرين فقط، وإنما يضعها في مواجهة نفسها. الصراع الحقيقي ليس بين شخصيتين، وإنما بين نسختين من الإنسان نفسه؛ نسخة تحاول أن تعيش كما هي، ونسخة أخرى تصر على أن تعيش كما تتمنى.

وفي هذا السياق، تأتي تجربة منال مغربي في التأليف لتبني عالمًا قائمًا على التناقضات النفسية، بينما يحاول محمد حافظ من خلال الإخراج تحويل هذا الصراع الداخلي إلى لغة بصرية ودرامية، تجعل المشاهد قريبًا من الحالة لا مجرد متفرج عليها ، كما لعبت الموسيقي التصويرية لـ محمد قابيل فى اضفاء معنى أخر لفكرة العمل النفسية والتى أضفت روحًا ومعنى أخر لرؤية الفيلم .