أزمات «ترامب» تهز النفوذ الأمريكي وتربك الحلفاء والخصوم
يواجه الرئيس الأمريكى دونالد ترامب ضغوطاً متزايدة بسبب طريقة إدارته للسياسة الخارجية، فى ظل تراكم الأزمات والانتكاسات، من الحرب مع إيران إلى الخلافات مع كوريا الجنوبية وسلطنة عمان، وصولاً إلى تعثر ملفات تجارية ودبلوماسية. ورغم الانتقادات التى تتهمه بإضعاف النفوذ الأمريكى، يتمسك ترامب بنهج يقوم على المفاجأة والضغط والتهديد، معتقداً أن إظهار القوة وعدم القدرة على التنبؤ يمنح واشنطن نفوذا أكبر فى المفاوضات.
وانتهت مهلة الـ60 يوماً المرتبطة بمذكرة التفاهم التى سبق أن تراجع عنها ترامب مع إيران، والتى قدمها باعتبارها إطاراً يمكن أن يقود إلى اتفاق نووى وإنهاء الحرب. لكن بدلاً من إعلان اتفاق، اتجه الرئيس إلى الضغط على حلفاء واشنطن، بالتزامن مع إبداء رغبة فى استئناف التواصل مع زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون.
وأعلن ترامب خفض حجم التدريبات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، مبرراً القرار بارتفاع تكلفتها، وعدم مشاركة سيول فى الحرب ضد إيران، ورغبته فى تجنب استفزاز كيم. ثم صعد لهجته تجاه سلطنة عمان، ملوحاً بإمكانية قصفها على خلفية دورها فى المفاوضات مع إيران لتسهيل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، رغم أن إعادة فتح المضيق كانت من أبرز البنود المرتبطة بمذكرة التفاهم التى وصفها ترامب سابقاً بأنها قد تكون أعظم اتفاق سلام فى الشرق الأوسط.
وقال الأدميرال المتقاعد فى البحرية الأمريكية جيمس ستافريديس، فى تصريحات لشبكة CNN، إنه لا يفهم أسباب تقارب ترامب مع كيم أو تهديده بقصف عمان، معتبراً أن هذه التحركات تتناقض مع ما تحتاجه الولايات المتحدة فى المرحلة الحالية.
ويرى منتقدون أن التحركات تجاه عمان وكوريا الجنوبية ليست أحداثاً منفصلة، وإنما جزء من سياسة خارجية تعتمد بصورة متزايدة على قرارات ترامب الشخصية وحدسه، مع تراجع دور الدبلوماسيين والخبراء والقواعد التقليدية التى حكمت السياسة الأمريكية لعقود.
وفى الشرق الأوسط، يتحرك صهر الرئيس جاريد كوشنر بين عدة عواصم سعياً إلى إنقاذ خطة قال ترامب إنها قد تمثل اتفاقاً ضخماً لنزع سلاح حماس وانسحاب إسرائيل من قطاع غزة، رغم استمرار التعقيدات والعداء بين إسرائيل وحماس.
وفى الوقت نفسه، لم يتوصل المفاوضون الأمريكيون والكنديون إلى اتفاق لتجنب رسوم جمركية قد تصل إلى 50% على كندا قبل الموعد النهائى الأربعاء. ويأتى ذلك بعدما ألغى ترامب الاتفاق التجارى بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، رغم أنه كان قد أشاد به خلال ولايته الأولى.
كما وصفت لومند الفرنسية مسار الحرب أنه بدأ كـ«استعراض للقوة» تحول إلى «دليل على العجز»، معتبرة أن «ضعف الولايات المتحدة دفع ثلاثة من حلفائها الرئيسيين، هم السعودية وباكستان وتركيا، إلى توقيع ميثاق دفاعى مشترك»، وهى خطوة رأت فيها الصحيفة «توبيخاً» صريحاً للدور التقليدى لواشنطن كحامية للمنطقة.
وتعكس هذه الملفات رؤية ترامب للسياسة الخارجية القائمة على شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مجدداً»، واستخدام الضغوط والتهديدات والمفاجآت للحصول على تنازلات، إلى جانب إيمانه بأن العلاقات الشخصية المباشرة مع قادة العالم يمكن أن تحقق نتائج أفضل من الدبلوماسية التقليدية.
وقال كريستوفر هيل، المسئول السابق فى وزارة الخارجية والسفير الذى خدم فى إدارات جمهورية وديمقراطية، إن ترامب انتقل فى ولايته الثانية من صورة الرئيس الذى يصعب التنبؤ بتحركاته إلى صورة رئيس يصعب الاعتماد على مواقفه، مؤكداً أن العالم يراقب هذا التحول.
كما يربط ترامب موقف كوريا الجنوبية من الحرب الإيرانية بمسألة تقاسم الأعباء، إذ انتقد الرئيس الكورى الجنوبى لى جاى ميونغ بسبب عدم رغبته فى التدخل فى الحرب، رغم وجود آلاف الجنود الأمريكيين فى بلاده، متسائلاً لماذا ينبغى للولايات المتحدة مساعدتهم إذا كانوا لا يريدون مساعدتها.
وعلى الرغم من القمم التى عقدها ترامب وكيم خلال ولايته الأولى، لم تنجح العلاقة الشخصية فى إنهاء البرنامج النووى لكوريا الشمالية. بل واصلت بيونغ يانغ تطوير قدراتها النووية والصاروخية، وعززت علاقاتها مع روسيا والصين، كما قدمت كميات كبيرة من الذخائر لموسكو وأرسلت أكثر من عشرة آلاف جندى لدعم حربها فى أوكرانيا.
وتطرح تجربتا الرئيس الروسى فلاديمير بوتين والرئيس الصينى شى جين بينغ تساؤلات حول فاعلية أسلوب ترامب. فلم يلتزم بوتين بخطة ترامب لإنهاء الحرب فى أوكرانيا، بينما تمكن شى من تحقيق مكاسب فى جوانب من الحرب التجارية.
وما يعتبره منتقدو ترامب تراجعاً فى النفوذ الأمريكى، يراه أنصاره جزءاً من فلسفته السياسية؛ فهو يرفض القواعد التقليدية، ويرى أن الحلفاء استغلوا الولايات المتحدة، وأن المؤسسات الدولية قيدت قدرتها على التحرك. كما يدافع عن سياسة تجارية حمائية، معتبراً أن التجارة الحرة أسهمت فى انتقال الوظائف الأمريكية إلى دول ذات تكاليف إنتاج أقل.
وقال إلبريدج كولبى، المسئول عن السياسات فى وزارة الدفاع الأمريكية، إن الاعتقاد بأن الولايات المتحدة أصبحت غير جديرة بالثقة إلى درجة تمنع التعاون معها يمثل رؤية خاطئة. وأوضح فى مانيلا أن واشنطن كانت فى السابق أكثر قابلية للتنبؤ فى المفاوضات، لكنها كانت أيضاً شديدة الالتزام بمبادئها الليبرالية، بينما تتبنى إدارة ترامب نهجاً أكثر واقعية يضع مصالح الأمريكيين أولا ويستخدم القوة التفاوضية الأمريكية بصورة أكبر.
ويرى أنصار ترامب أن الضغط على دول الناتو لزيادة الإنفاق الدفاعى يمثل نجاحا واضحا، وقد يؤدى على المدى الطويل إلى تحالف غربى أكثر قوة، مع تحمل الدول الحليفة مسئولية أكبر عن أمنها.
لكن إخفاق ترامب حتى الآن فى إنهاء الحرب مع إيران يكشف، بحسب منتقديه، نقاط ضعف هذا النهج. فالتهديدات التى يعقبها التراجع، والضغط على الحلفاء بالتزامن مع محاولة التقارب مع الخصوم، قد تمنح منافسى واشنطن فرصة لاستغلال الانقسامات بدلاً من تعزيز النفوذ الأمريكى.
وبحسب واشنطن بوست، فإن عدم قدرة ترامب على تحقيق أهداف واضحة فى الحرب قد يتحول إلى مشكلة سياسية أكبر، خاصة مع تراجع شعبيته داخليا واقتراب انتخابات التجديد النصفى. وبعد نحو ستة أشهر من بدء الهجمات الأمريكية على إيران بالتنسيق مع إسرائيل، يجد ترامب نفسه أمام صراع مفتوح، بينما لا يظهر حل عسكرى واضح أو اختراق دبلوماسى قريب، وتتزايد التكلفة الاقتصادية والسياسية للحرب. كما وصفت الأمر أن ترامب وقع مجددا فى مستنقع حرب إيران.
وقال لى ميرينغوف، مدير معهد الرأى العام بجامعة ماريست، إن الحرب أسهمت فى تراجع ثقة الناخبين بترامب، وقد تترك آثاراً أكبر خلال انتخابات التجديد النصفى المتبقى له نحو ٨٧ يوماً موضحاً أن إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار الوقود جعلاً الحرب مرتبطة مباشرة بالأوضاع الاقتصادية فى نظر الناخبين.
وتشير الإدارة إلى ارتفاع التضخم، وانخفاض قيمة العملة، وتراجع عائدات النفط والضرائب، وزيادة تكاليف إعادة الإعمار والضغوط على القطاع المصرفى، معتبرة أن التأثير بدأ يصل إلى النخبة الحاكمة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض