رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

 

 

أكره الحديث عن صندوق النقد الدولى كراهيتى لسماع خطابات الحكومة التى تتحدث فيها عن «الأشد فقرًا» و«الأولى بالرعاية»، أو حماية الفئات «الأكثر احتياجًا»، فكلها مرادفات شوهت مسامعنا بعد الدخول فى مصيدة «الصندوق».

كان دافع العودة إلى ما أكره هو خبر تداولته الصحف مفاده تأكيدات «الصندوق» بأن مصر مستعدة لزيادة أسعار الطاقة مجددًا وقبل الموعد المخطط فى حال ارتفاع أسعار النفط عالميًا!، ثم جاءت تصريحات الدكتور محمد معيط المدير التنفيذى بصندوق النقد الدولى لتزاد بواعث العودة إلى ما أكره، فقد أكد «معيط» فى فيديو نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، بأن مصر التزمت بسداد المستحقات المقررة عليها وفق البرامج المتفق عليها، وأن برنامج الإصلاح الاقتصادى المصرى يسير ضمن الإطار الزمنى المحدد، مما يعزز من استدامة التمويل الخارجى وتخفيف أعباء الديون تدريجيًا حتى تصفيرها بحلول 2047!

عقدان من الزمان يفصلاننا عن «ساعة التصفير» التى أشار إليها المدير التنفيذى للصندوق، وعقود مرت على مقدمة كتاب أحمد بهاء الدين «أيام لها تاريخ» التى بدأها بسؤال للقارئ العزيز: هل عرفت أحدث تعريف للإنسان؟ ثم يجيب بسرد الأقوال بأن الإنسان حيوان ناطق، ثم ضاحك، ثم عاقل، ثم يخبرنا بأن العلماء اهتدوا إلى التعريف الدقيق بأن الإنسان حيوان ذو تاريخ!

ليصل «بهاء الدين» إلى غايته والمعنى الذى يريده، بأن الميزة الأولى للإنسان التى تميزه عن غيره من المخلوقات هى أن كل جيل يعرف تجارب الجيل الذى سبقه ويستفيد منها، وأنه بهذه الميزة يتطور، على العكس من ذلك الحيوان الذى كان يعيش فى الأرض منذ ألف سنة لا يمكن أن يختلف عن سلالته التى نراها اليوم فى الصفات والطباع ونوع الحياة.

ثم يضرب لنا «أحمد بهاء الدين» مثلًا بأنك تستطيع اليوم أن تصطاد الفأر الذى تجده فى بيتك بنفس الطريقة التى كان يتم اصطياده بها منذ زمن قديم، مصيدة وقطعة من الجبن، ولو كان فى بيتك عشرة فئران لاستطعت أن تتصيدها واحدًا بعد الآخر، يومًا بعد يوم، بنفس المصيدة وقطعة الجبن، ذلك أن الفئران ليس لها تاريخ ولا تستفيد من تجاربها، هى لا تعرف أنه فى اليوم السابق دخل فأر ليأكل قطعة الجبن فأغلقت عليه المصيدة، وهى قد تعرف ولكنها لا تدرك المغزى، فلا تتحاشى أبدًا قطعة الجبن، أما الإنسان فإنه يعرف ما أصاب أسلافه بالأمس، ومنذ مائة سنة ومنذ آلاف السنين، فهو قادر على أن يتجنب أخطاءهم ويستفيد من تجاربهم ويضيف إليه وهذا هو التقدم.

ويبدو أن حكومتنا الرشيدة لم تقرأ تاريخ الصندوق جيدًا ولم تعه، ففى كتاب «صندوق النقد الدولى، قوة عظمى فى الساحة العالمية» تأليف أرنست فولف، ترجمة د. عدنان عباس على، نرى قطعة الجبن ونرى المصيدة، نرى بوضوح شديد ما فعلته المصيدة من ابتزاز دولًا، وتجريد أجيالًا من الحلم بمستقبل أفضل، نرى ممارسات تعيد للأذهان أبشع عصور الكولونيالية «الاستعمارية» كما يصفها المُترجم، ويتعجب الكتاب ونتعجب معه من زعم الصندوق أن من بين مهامه وأهدافه مساعدة الدول على صياغة مناهج تؤدى إلى تنمية مستدامة ورخاء متزايد، وبعد عقود من تقديم هذه المساعدات تكتشف المصيدة، فتصير مديونيات الدول التى لجأت إليه باعتباره الملاذ الأخير أكثر تفاقمًا، وتتسع دائرة الفقر بلا هوادة، وتزداد فجوة التفاوت الإجتماعى بشكل ينذر بالخطر الشديد.

ضرب لنا مؤلف الكتاب أمثلة عديدة ونماذج كثيرة، منها «الأرجنتين» التى كانت فى الماضى أكثر دول أمريكا الجنوبية ازدهارًا وأمست خلال سنوات مأوى للفقراء وملجأ للمحتاجين، وكابوسًا اجتماعيًا بالنسبة لكثير من المواطنين بسبب سياسات «الصندوق»، وبالرغم من هذا التدهور الذى أصاب البلد فى تسعينيات القرن الماضى والسنوات الأولى من الألفية الجديدة، فإن هذا التدهور الملموس كما يقول الكتاب لم يمنع «الصندوق» من مواصلة الإشادة بالأرجنتين ووصفها أمام العالم بـ«التلميذ النموذجى» والمثال الساطع على فاعلية برامج التكيف الهيكلى!.

ثم تأتى لحظة الحقيقة الكاشفة، فبعد اضطرابات وأحداث مأساوية نتيجة انهيار اقتصادى واجتماعى وسياسى شهدتها الأرجنتين «ديسمبر2001» علق الناطق الرسمى بإسم الصندوق متنصلاً: إن برنامج الأرجنتين الاقتصادى تمت صياغته من قبل الحكومة، بهدف التخلص من العجز السائد فى الموازنة، وأنه تم إقراره من قبل الكونجرس «البرلمان» أيضًا!

الخلاصة: يقول أحمد بهاء الدين فى مقدمة كتابه الذى أشرنا إليه: إن الإنسان لا يولد وعبرة التاريخ فى جوفه.. ولكنه يتعلم.. ثم يستخلص العبر من الأحداث، على أى شىء تدل وفى أى طريق يمضى، والتاريخ هو الفارق بين الإنسان الواعى وغير الواعى، الإنسان غير الواعى لا يرى إلا قطعة الجبن، ولكن الإنسان الواعى يرى قطعة الجبن ويرى المصيدة!.

حفظ الله مصر وشعبها من مصيدة الصندوق وأتباعه.

[email protected]