رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

في طفولتي، وخلال حرب أمريكا على العراق، كنت أجلس أمام شاشة التلفاز أتابع نشرات الحرب بشغف على «العربية» و«الجزيرة»، دون أن أفهم تمامًا الفارق بين المراسل والمذيع والمحلل. كنت أعرف فقط أن هناك رجالًا ونساءً يقفون في قلب الأحداث، ينقلون ما يحدث، ويشرحون ما وراءه.

أما أبي، فكان يرى المشهد بطريقة مختلفة.كان يعرف أسماءهم، ويفرق بين هذا وذاك، ويتحدث عن قدراتهم وأدواتهم، ويقيّم أداء كل واحد منهم كأنه يجلس في غرفة أخبار لا أمام شاشة التلفاز؛  حتى بدا لي عالم الصحافة يومها عالمًا ساحرًا، وراودني حلم طفولي بأن أصبح يومًا مراسلة حرب، لا تسأل كيف اجتمع ذلك مع حلمي وقتها بأن ألتحق بكلية الطب حين أكبر؛ إنها فقط مخيلة طفلة طموحة، كانت ترى العالم واسعًا، وكل الأحلام ممكنة.

كبرت الطفلة، وجاءت الثانوية العامة، وحصلت على مجموع 96.5% في السنة الثالثة،  فرح أبي  لكن، كعادته معنا أنا وإخوتي، لم يملِ عليّ كلية بعينها، ولم يقل لي ماذا أختار؛ ترك لي حرية القرار.
كان ذلك أسلوبه معنا جميعًا؛ يربي أبناءه على أن تكون لهم إرادة، ثم يترك لهم مسؤولية ما يختارون.

ظهرت نتيجة التنسيق، وكان ترشيحي للالتحاق بكلية الإعلام جامعة القاهرة.


في بلدتي آنذاك، كان المتعارف عليه أن تلتحق الفتيات بجامعة قنا؛ فهي الأقرب جغرافيًا والأكثر ملاءمة لهن. حاول أحدهم إقناع أبي بألا يتركني أسافر إلى القاهرة، خاصة أنني كنت الفتاة الوحيدة من بلدتي، بل ومن المحافظة بأكملها، التي ستدرس في القاهرة. كنت، وفق رؤيته، سأذهب وحدي إلى مدينة بعيدة.

لكن أبي قال جملة لا تزال تعيش بداخلي حتى الآن:

«ده حلمها.. وأنا مستحيل أكون الشخص اللي يقف بينها وبين تحقيقه.»

قد تبدو الجملة عابرة، لكنها لم تكن كذلك بالنسبة إليّ. لقد حفرت بداخلي شعورًا عميقًا بالثقة والمسؤولية؛ شعور شخص نضج قبل أن يكبر،
كانت إعلانًا مبكرًا من أبي بأنه يثق بي؛ أصبحت إنسانة يأتمنها على قرارها، ويؤمن بقدرتها على أن تخوض العالم وحدها.

ومنذ ذلك اليوم، حملت ثقته معي، وحين تحمل ثقة أبي، تصبح فكرة خذلانه أشبه بخيانة لجزء منك.

في السنة الثانية من الدراسة، جاءت مرحلة التخصص. كنت أحب الصحافة، لكن نزولًا لرغبة أبي التحقت بقسم الإذاعة والتلفزيون؛ لكن الصحافة ظلت تشدني إليها، فبدأت أتدرب خارج الكلية في مجال الصحافة. طوال سنوات دراستي، كان أبي يعرف تفاصيل حياتي ودراستي كلها تقريبًا؛ يعرف أسماء أساتذتي في الكلية، وصديقاتي، وتفاصيل يومي، وكأنه كان يعيش معي تلك السنوات، وإن كان بعيدًا عنها.

تخرجت، والتحقت بالعمل في الصحافة، وبفضل من الله كلل مسعاي بالتوفيق، وأصبحت عضوًا في نقابة الصحفيين المصريين؛ النقابة التي كنت أحلم بالانضمام إليها منذ سنوات الدراسة.

أعود إلى فترة بعد تخرجي، وبينما كنت لا أزال في مرحلة التدريب، كتبت تحقيقًا صحفيًا عن أوضاع المستشفى الذي يخدم المدينة بأكملها. نُشر التحقيق في جريدة «الوفد» التي كنت أتدرب بها.

وفي اليوم التالي، جاء وفد رفيع المستوى من الوزارة للتحقيق في الأوضاع التي رصدها التحقيق، كنت موجودة في المستشفى لحظة وصول الوفد، لكنني فوجئت بأبي هناك أيضًا.. جاء ليدعمني، كعادته.

كان أحد أعضاء الوفد يشغل وقتها منصب مساعد وزير الصحة، فقال لي مازحًا:

«إنتِ بقى أسماء اللي جايبانا على ملا وشنا من القاهرة؟ ده أنا لو من السيد البدوي أصرف لك أعظم مكافأة».

ضحكت، لكن شيئًا داخلي كان يمتلئ بالفخر.
ترددت داخلي جملة صغيرة، لكنها كانت تكفيني:

«الحمد لله.. ربنا هينفع بيا.. أنا أصلًا شاطرة زي أبويا».

كنت أريد أن أشبهه.

ولم أكن أعرف أن هذه الرغبة ستكبر معي حتى تصبح عبئًا جميلًا لا أستطيع التخلص منه.

فأبي لم يكن بالنسبة إليّ مجرد معلم.. كان في عيني، أكثر من مهنته؛ كان المثقف الذي تستطيع أن تضع أمامه أي قضية، فيجد لها مدخلًا ورأيًا وحلًا.. في السياسة؛ كان يبدو لي كخبير استراتيجي. وفي الرياضة، كان محللًا لا يخطئ في تفكيك المباراة. وفي الحياة، كان المعلم الذي لا تنتهي دروسه.

أرجع لقرار الوفد الوزاري من الصحة الذي أسند الأمر إلى لجنة هندسية؛ أقرت آنذاك بإزالة المبنى، وتم بناء المستشفى الجديد الذي تخصص في علاج الأطفال ويخدم حاليا محافظة الأقصر والمحافظات المجاورة.

في الحياة الاجتماعية أبي كان مرحًا، ودودًا، كريمًا، محبًا للناس، وإذا قصده أحد بشكوى لم يكن يكتفي بالاستماع؛ كان يحاول أن يحمل معه جزءًا من المشكلة.

أحب أبي إخوته بطريقة جعلتني أتمنى أن أكون مثله حين أكبر؛ وأحاطنا بحب اظن أنه لن يتكرر؛  لم يجبر أحدًا منا على شيء في الدراسة أو الزواج ولم يفرض على أحد اختيارًا.. كان أبي يمنحنا الحرية، ثم يمنح اختياراتنا دعمه.

كبرت وأنا أرى أبي لا باعتباره أبي فقط، وإنما باعتباره النموذج الأول الذي تعلمت منه معنى الرجل.. أخًا، وصديقًا، وسندًا، وظهرًا لا يميل، وأمانًا لا يتبدل.

وربما هنا تكمن الحكاية كلها.

فالأطفال لا يتعلمون الحب من الكتب، ولا يعرفون معنى الأمان من التعريفات؛ إنهم يتعلمونه من أول شخص يمنحهم إياه.

وأنا تعلمت الحب من أبي.

تعلمت أن الرجل يمكن أن يكون قويًا دون أن يكون قاسيًا، وأن يمنحك حريتك دون أن يتخلى عنك، وأن يثق بك دون أن يتخلى عن دوره، وأن يكون سندًا دون أن يحاصرك.

كبرت، وكبر معي هذا النموذج؛ حتى أصبحت أقيس الأشياء عليه، وأقيس الرجال عليه.

وهنا أقولها بنصف ابتسامة، وبكثير من الامتنان:

لقد أفسد أبي حياتي.. فكلما قارنت رجلًا بأبي.. سقط من عيني.