رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

سيرته تدفعنا إلى احترامه وتقديره باعتباره أحد عباقرة العالم بلا مبالغة؛ فهو عالم رياضيات ومنطق وفيلسوف إنجليزي بارز، وهو المؤسس الرئيس لمدرسة "فلسفة الصيرورة أو العملية".
وطلاب أقسام الرياضيات في كليات العلوم يعرفون كتابه الشهير الذي صنَّفَه بالاشتراك مع تلميذه وصديقه الفيلسوف الشهير "برتراند راسِل" وهو كتاب "مبادئ الرياضيات" الذي يُعَدُّ مرجعًا أساسيًا في مجال الرياضيات والمنطق الرياضي (يعرف أيضًا بالمنطق الرمزي) وهو غير المنطقي الصوري القديم الذي وضعه (أرسطو).
وقبل أن نفهم المفهوم الإنساني للحضارة عند "هوايتهد" علينا أن نعرف مُلَخَّصًا لسيارته الذاتية.
حيث تخبرنا سيرته أن اسمه بالكامل "ألفريد نورث هوايتهد" وقد وُلِد في إنجلترا في الخامس عشر من فبراير لعام ١٨١٦، وكانت نشأته في بيئة تُقَدِّر التعليم والثقافة ولذلك أسهمت تربيته في إذكاء موهبته وتنمية عبقريته.
وفي كلية "ترينيتي" بجامعة "كامبردج" تعلم "هوايتهد" الرياضيات وتألق فيها، ثم تخرج وعُيِّن بنفس الكلية وظل يُدَرِّس الرياضيات فيها حتى عام ١٩١٠، ثم عمل في تدريس الرياضيات التطبيقية في جامعة لندن والكلية الإمبراطورية.
وفي عام ١٩٢٤ انتقل إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأصبح استاذًا للفلسفة بجامعة هارفارد المعروفة على مستوى العالم.
ولقد اشتهر هذا الفيلسوف بأبحاثه الرائدة ومؤلفاته العميقة في الرياضيات والميتافيزيقا وإسهاماته في مجالات معرفية أخرى.
ومع ذلك لا يذكره الآن إلا بعض طلبة الرياضيات والفلسفة، مع أنه كان عبقريًّا رائدًا في الفلسفة الاجتماعية وفلسفة التاريخ والحضارة والتربية، ورغم وفاته في ٣٠ ديسمبر لعام ١٩٤٧ عن عمرٍ يناهز الستة والثمانين عامًا إلا أن أفكار "هوايتهِد" واتجاهاته لا تزال من المرجعيات الهامة في الفكر الحديث.
ويرى الأستاذ الأديب (علي أدهم) أنه يمتاز بنضج التفكير واتزان الرأي ورحابة الأفق مع تقديره لمعنى الحضارة الإنسانية وقيمتها، وهذا الموضوع تحديدًا - أعني الحضارة- لم ينَل حظه من البحث عند كثيرٍ من المفكرين ، فكان هذا الفيلسوف من أوائل الباحثين فيه والمنبهين على قيمته الكبرى، وساعده على ذلك خلفيته العلمية فقد كان علاوةً على تعمقه في الرياضيات متمكنًا في العلم الطبيعي والفلك والتاريخ والأدب والفكر الديني والتربية والفلسفة.
ومن خلال اطلاعي على فلسفة "هوايتهد" وجدت أن رأي الأستاذ "علي أدهم" صواب من وجهة نظري.
ويشهد لذلك تناوله لمفهوم الحضارة الإنسانية، وهذا التناول لم يأتِ في كتابٍ مستقل؛ وإنما جاء في كتبه الهامة الثلاثة، وهي: " العلم والعالم الحديث" و "الواقع والعمليات" و"مغامرات الأفكار" وفي محاضرات وأبحاث أخرى.
وفي المجمل كان هذا الفيلسوف يعتبر مبحث الحضارة جزءًا من صميم فلسفته.
والواقع أن كلمة "حضارة" شديدة التعقيد، متسعة الدلالة، ورغم ذلك حاول فيلسوفنا أن يضع لها تعريفًا عامًّا بسيطًا وهو أن كل مجتمع يكون متحضرًا إذا كان (الحق والجمال والمخاطرة والفن والسِّلم أو السلام) هي الصفات الغالبة عليه والمُمَيِّزة له عن غيره من المجتمعات.
فالحضارة في مفهوم "هوايتهد" ليست لونًا من ألوان الترَف تستمع به قلة من الأثرياء وإنما هي شرط لازم من شروط الحياة المناسبة للإنسان.
وهو يعني بحب المخاطرة الدخول في كل ما هو جديد غير مألوف من الأفكار والاكتشافات، وهذه المخاطرة لا تضر الإنسان بالمرة؛ بل هي في طليعة العوامل الحضارية لأنها تجعلنا باحثين عن الكمال في نواحي الحياة المختلفة.
فالمخاطرة عند فيلسوفنا تعني الانطلاق التلقائي وطرافة التناول والسمو بشعورنا بما هو كائن.
ويمكن لنا أن نفسر المخاطرة عنده بالمغامرة والتي يلعب فيها الخيال الخَلَّاق دورًا هامًّا، ولهذا فهي منشطة للعقل والجسد، وهو يعطي لها مثالًا باكتشاف "كريستوفر كولومبوس" لقارة أمريكا الشمالية، فلولا اقتحامنا للمجهول لما وصلنا إلى الاكتشافات، وهذه المغامرة بالطبع تتطلب الشجاعة والإقدام، وهي تبدأ في عالم الفكر قبل أن تبرز على أرض الواقع.
وبناءً على مفهوم "هوايتهد" للمغامرة وضرورتها للحضارة يصبح الجمود على التقاليد والاقتصار على التغَنِّي بأمجاد الماضي والخوف الدائم من سطوة المجتمع ورجال الدين والثبات على الأفكار التراثية، كل هذا يصبح ضد الحضارة لأنه يخلو من المغامرة ويجعل المرء خاملًا خانِعًا ينشد السلامة طول الوقت ويركن إلى الراحة المذمومة (راحة الكسالى والأغبياء).
وليس معنى المغامرة أن نصطدم بالمجتمع والدين؛ وإنما المعنى أن نفكر ونبتكر ونتناول الموضوعات من زوايا جديدة وننطلق بلا قيود وذلك لأن الخوف عدو كل تقدم.
ونظرة واحدة إلى كبار مؤلفي الدراما اليونانية تجعلنا نشهد روح المغامرة عندهم؛ فقد كانوا لا ينظرون إلى الوراء لمحاكاة السابقين عليهم، ولا يعتمدون على القوالب المحفوظة كما نرى الآن في الدراما المعروضة علينا والتي تعيد وتزيد في قوالب حكائية ثابتة مما يدل على فقر الخيال وقلة الثقافة وضيق الأفق عند كثيرٍ من المؤلفين والمخرجين عندنا مع الأسف.
وفي المقابل نجد رواد الدراما القديمة - وياللمفارقة- تتجلى قدرتهم في التناول المستقل الخَلَّاق لمشاكل الناس في عصرهم ومجتمعهم.
كما تفاعل فلاسفة اليونان والمسلمين ورواد الفلسفة الحديثة مع حاضرهم وعبروا عن آراء حديثة في الأخلاق والاجتماع والمشكلات السياسية والاقتصادية.
وأما "السلام" وهو أحد سمات الحضارة الضرورية فإنه يعني الشعور الإيجابي ذو الأثر العظيم في حفز الهمم، وهو حالة عقلية تمتاز بإدراك ما للجمال من أهمية عظيمة، فالسلام عنده لا يقتصر على المعنى السياسي وإنما يشمل نبذ الهمجية والغضب والطمع والتوَحُّش.
ويقوم السلام على (الولاء للمثل الأعلى للانسجام) بحيث تنتصر الاستقامة الأخلاقية ويكون للحق منزلة عظيمة هو جديرٌ بها لأنه من أسمى القِيَم.
وحينما يتحقق السلام يتولد الهدوء وتنطفئ نيران الصراعات ويترفع الناس عن السفاسف والتفاهات التي تدخلهم في صراعات عبثية مجنونة فيتيح لهم ذلك النجاح في التعلم والعمل والإبداع الفني، بل وفي حياتهم الشخصية أيضًا.
* وفي المقالة القادمة بإذن الله نبسط بشيء من التفصيل غير الممل آراء الفيلسوف "هوايتهد" في الحضارة الإنسانية لأننا بأمس الحاجة إليها في ظل انتشار الهمجية والتشَوُّه الاجتماعي المفجع الذي وصلنا إليه مع الأسف الشديد.