رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

18 يورو للكوز فى أوروبا

«اللوف المصرى» مهدد بالاختفاء

بوابة الوفد الإلكترونية

 

15 مليون جنيه صادرات.. و1200 جنيه لشيكارة السماد بعد رفع الدعم 

المزارعون: نزرع محصولًا تصديريًا ولا نجد الدعم والفدان يحتاج 50 ألف جنيه قبل أول حصاد

تجار الأسمدة: اللوف خرج من منظومة الدعم رغم قيمته التصديرية

خبراء الزراعة يحذرون: غياب الأسمدة والمبيدات يفتح الباب أمام أمراض تهدد المحصول

اللوف ثروة مهدرة فى الحقول.. ومحصول يحتاج مصانع صغيرة بدلاً من تصديره خامًا

 

 

 لم يكن يتخيل مزارعو اللوف فى محافظات مصر، خصوصًا الشرقية، أن المحصول الذى تحول خلال السنوات الأخيرة إلى سلعة تصديرية مطلوبة فى الأسواق الأوروبية، سيصبح مهددًا بالتراجع بسبب الارتفاع غير المسبوق فى تكاليف الإنتاج، ففى الوقت الذى يصل فيه سعر الكوز الواحد من اللوف المصرى بعد تصنيعه وتسويقه فى بعض الأسواق الأوروبية إلى نحو 18 يورو، يقف المزارع المصرى اليوم أمام معادلة صعبة؛ تكلفة إنتاج تتضاعف عامًا بعد آخر، فى مقابل تراجع الدعم وارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات والعمالة.

 داخل قرى أنشاص الرمل، وسلمنت، ومنية سلمنت، والكفر القديم، والزوامل التابعة لمركز بلبيس، إلى جانب قرية طوخ بمركز أبوكبير، يبدأ موسم الحصاد فى منتصف يوليو، حيث تتحول الحقول إلى ورش عمل مفتوحة، يتسابق فيها المزارعون لجمع الكيزان وتجفيفها واستخراج الألياف الطبيعية التى تدخل فى صناعات متعددة، أبرزها أدوات التنظيف ومستحضرات العناية بالبشرة والمنتجات البيئية الصديقة للبيئة.

 حسب البيانات، فإنه رغم أن مساحة اللوف فى مصر لا تتجاوز فى المتوسط 3168 فدانًا، بإنتاج سنوى يقارب 21.5 مليون كوز، فإن محافظة الشرقية تستحوذ على النصيب الأكبر من هذه الزراعة، بمتوسط مساحة يبلغ نحو 971 فدانًا، وإنتاج يقترب من 7.2 مليون كوز سنويًا، بينما تصل صادرات اللوف المصري إلى نحو 320 طنًا بقيمة تقارب 15 مليون جنيه خلال متوسط سنوات الدراسة، ما يجعل المحصول واحدًا من المحاصيل الزراعية الصغيرة مساحةً، والكبيرة قيمةً.

 وسط هذه الأرقام، تبدو الصورة داخل الحقول مختلفة تمامًا، فى أحد الحقول بقرية أنشاص الرمل، يقف المزارع محمد خالد، يتابع العمال وهم يعلقون الكيزان تحت أشعة الشمس تمهيدًا لاستخراج الألياف، قبل أن يقول إن اللوف لم يعد يحقق نفس العائد الذى كان يحققه قبل سنوات، ليس بسبب ضعف الطلب، بل لأن تكلفة الزراعة أصبحت تلتهم معظم الإيرادات.

 ويضيف، أن اللوف يحتاج إلى ثلاث دفعات من التسميد خلال الموسم، فضلاً عن المبيدات ومستلزمات الرى والأخشاب والأسلاك المستخدمة فى إقامة الدعامات، وهى تكاليف ارتفعت بصورة كبيرة بعد شراء الأسمدة من السوق الحرة بأسعار تجاوزت 1200 جنيه للشيكارة، مؤكدًا أن غياب الأسمدة المدعمة جعل استمرار الزراعة أكثر صعوبة بالنسبة لصغار المنتجين.

 وعلى بعد كيلومترات، فى قرية سلمنت، تختلف تفاصيل المعاناة، بينما تبقى الأزمة واحدة، يقول المزارع (محمد أبوسيف) إن اللوف ليس محصولاً موسميًا بسيطًا، بل يحتاج إلى متابعة يومية منذ زراعته فى أواخر فبراير وحتى انتهاء الحصاد فى نوفمبر، موضحًا أن ارتفاع أسعار المبيدات هذا الموسم أجبر كثيرًا من المزارعين على تقليل معدلات المكافحة، وهو ما انعكس على جودة بعض الإنتاج.

 ويؤكد أن بعض المزارعين بدأوا بالفعل التفكير فى تقليص المساحات المزروعة خلال الموسم المقبل، والاتجاه إلى محاصيل أقل مخاطرة وأكثر توافراً فى مستلزمات الإنتاج.

 أما مزارعو قرية منية سلمنت، فيرون أن المشكلة الأكبر لم تعد فى التسويق كما كان يحدث قبل سنوات، بل فى تكلفة الوصول إلى مرحلة الحصاد، موضحًا أن الطلب المحلى والتصديرى على اللوف لا يزال مرتفعًا، إلا أن ارتفاع تكلفة الإنتاج قلل هامش الربح بصورة كبيرة.

 ويشيرون إلى أن اللوف يتميز بأنه محصول تصديرى مطلوب فى أوروبا، وأن التجار يحضرون إلى القرى لشراء المحصول مباشرة، إلا أن المزارع أصبح يحصل على نسبة أقل من القيمة النهائية التى يصل بها المنتج إلى الأسواق الخارجية.

 وفى قرية الكفر القديم، يلفت المزارعون إلى أزمة أخرى تتمثل فى ارتفاع أجور العمالة الزراعية، خصوصًا خلال موسم الحصاد، الذى يعتمد على الجمع اليدوى وفرز الكيزان وتقشيرها واستخراج الألياف وتجفيفها، وهى مراحل تحتاج إلى أيدٍ عاملة مدربة، ارتفعت أجورها بصورة ملحوظة خلال السنوات الأخيرة.

 بينما يروى أحد مزارعى قرية طوخ بمركز أبو كبير، أن كثيرًا من الشباب بدأوا يعزفون عن زراعة اللوف رغم ربحيته التاريخية، بسبب ارتفاع حجم المخاطرة، مؤكدًا أن المزارع أصبح مطالبًا بتوفير عشرات الآلاف من الجنيهات قبل أن يجنى أول كوز من المحصول.

 ولا تختلف الصورة كثيرًا داخل قرية الزوامل، التى تعد من أشهر قرى إنتاج اللوف فى مصر، حيث يؤكد مزارعو القرية أن اللوف يحتاج إلى عناية مستمرة، وأن أى نقص فى التسميد أو المكافحة ينعكس مباشرة على جودة الألياف وعدد الكيزان المنتجة للفدان، ورغم هذه التحديات، لا يزال المحصول يحتفظ بأهمية اقتصادية كبيرة.

 وفى تصريحات سابقة، أكد المهندس أشرف نصير، مدير عام الزراعة بمحافظة الشرقية، أن المستهدف زراعته خلال الموسم الصيفى الحالى يبلغ نحو 1500 فدان، تتركز فى مركزى بلبيس وأبوكبير، مشيرًا إلى أن اللوف أصبح من المحاصيل ذات العائد الاقتصادى المرتفع، مع تزايد استخداماته الصناعية وارتفاع الطلب عليه محليًا وخارجيًا.

 ويوضح أن تكلفة زراعة الفدان فى العام الأول قد تصل إلى 40 - 50 ألف جنيه بسبب إنشاء الدعامات الخشبية، بينما تنخفض نسبيًا فى السنوات التالية، إذ يعاد استخدام جزء كبير من هذه التجهيزات.

 ويرى الخبراء أن استمرار ارتفاع أسعار مستلزمات الإنتاج دون توفير آليات دعم مناسبة قد يؤدى إلى تراجع المساحات المزروعة مستقبلاً، وهو ما يهدد أحد المحاصيل التصديرية التى تمتلك فيها مصر ميزة نسبية، خصوصًا مع تزايد الطلب على المنتجات الطبيعية الصديقة للبيئة.

 قال الدكتور عمرو الدجوى، الأمين العام للجمعية المصرية لتجار وموزعى الأسمدة، إن قرار وزارة الزراعة برفع الدعم عن عدد من المحاصيل غير الاستراتيجية، وفى مقدمتها محصول اللوف، انعكس بشكل مباشر على زيادة تكاليف الإنتاج، ما يمثل عبئًا إضافيًا على المزارعين ويهدد بالتوسع فى تقليص المساحات المنزرعة مستقبلًا.

 وأوضح الدجوى، فى حديث خاص لـ«الوفد» أن المحاصيل التى خرجت من منظومة الدعم تشمل اللوف، ومحاصيل الخضراوات والفاكهة، وعباد الشمس، والنباتات الطبية والعطرية، باعتبارها محاصيل استثمارية وليست ضمن قائمة المحاصيل الاستراتيجية التى تحظى بأولوية فى منظومة الدعم الحكومى.

 وأضاف، أن الدولة اتجهت إلى إعادة توجيه الدعم لصالح المحاصيل الاستراتيجية، مثل القمح، والأرز، والفول، والقطن، وقصب السكر، وبنجر السكر، فضلاً عن التوسع فى دعم استخدام الأسمدة المركبة، بما يتماشى مع خطط ترشيد الدعم ورفع كفاءة الإنتاج الزراعى.

 وأشار إلى أن محصول اللوف، رغم قيمته التصديرية وارتفاع الطلب عليه فى الأسواق الخارجية، لا يندرج ضمن المحاصيل الاستراتيجية، وهو ما أدى إلى استبعاد مزارعيه من الحصول على الأسمدة المدعمة، الأمر الذى أجبرهم على شراء احتياجاتهم من السوق الحرة بأسعار مرتفعة، انعكست بصورة مباشرة على تكلفة زراعة الفدان.

 وأكد الدجوى أن التوجه الحكومى الحالى يعتمد بصورة متزايدة على الدعم النقدى المباشر بدلاً من الدعم العينى، موضحًا أن مزارعى المحاصيل الاستراتيجية يحصلون على تعويضات تتراوح بين 3 و4 آلاف جنيه للفدان للمساهمة فى شراء الأسمدة والمبيدات، بينما لا يستفيد مزارعو اللوف من هذه المنظومة، رغم ما يمثله المحصول من قيمة اقتصادية وعائد تصديرى، وهو ما يستدعى إعادة النظر فى آليات دعم المحاصيل ذات القيمة المضافة للاقتصاد المصرى.

 ومن جانبه، قال الدكتور إلهامى الأسيوطى، رئيس معهد بحوث أمراض النباتات الأسبق بمركز البحوث الزراعية، إن محصول اللوف يُعد من المحاصيل الحساسة للإصابة بالعديد من الآفات والأمراض النباتية، الأمر الذى يجعل توفير الأسمدة والمبيدات أحد العوامل الأساسية للحفاظ على جودة المحصول ورفع إنتاجيته.

وأوضح الأسيوطى، فى حديث خاص لـ«الوفد»، أن حرمان مزارعى اللوف من الأسمدة والمبيدات المدعمة يزيد من فرص انتشار الحشرات والأمراض الفطرية، وهو ما ينعكس سلباً على نمو النباتات وجودة الألياف، وقد يصل فى بعض الحالات إلى تلف المحصول بالكامل وانخفاض الإنتاج بصورة ملحوظة.

وأضاف أن اللوف يُصنف ضمن المحاصيل الاستثمارية ذات العائد الاقتصادى المرتفع، ويتميز بقدرته على النمو فى بيئات زراعية متنوعة، سواء فى الأراضى الطينية بالدلتا، أو الأراضى الصحراوية المستصلحة، بل ويمكن زراعته على أسطح المنازل فى المساحات الصغيرة، إلا أن نجاحه يظل مرهونًا بتوفير الرعاية الزراعية الكاملة، وفى مقدمتها برامج التسميد ومكافحة الآفات.

 وأشار إلى أن أهمية اللوف لا تقتصر على كونه محصولًا تصديريًا، وإنما يمثل خامة صناعية تدخل فى عدد من الصناعات، من بينها صناعة الأثاث وبعض المنتجات البيئية، إلى جانب استخداماته اليومية المعروفة كألياف طبيعية للاستحمام والعناية الشخصية، وهو ما يمنحه قيمة اقتصادية متزايدة فى الأسواق المحلية والخارجية.

وأكد رئيس معهد بحوث أمراض النباتات الأسبق أن زراعة اللوف على مساحات واسعة تتطلب استثمارات مرتفعة فى تجهيز الحوامل وبرامج الخدمة الزراعية، لكنها فى المقابل تحقق عائدًا مجزيًا للمزارعين، مشددًا على ضرورة توفير الدعم الفنى ومدخلات الإنتاج اللازمة للحفاظ على هذا المحصول الواعد، وتعزيز قدرته على المنافسة فى الأسواق التصديرية.

 وفى سياق متصل، يرى الدكتور خالد غانم، أستاذ الزراعة الأورجانيك بجامعة الأزهر، أن أزمة محصول اللوف لا تتوقف عند ارتفاع تكاليف الزراعة أو نقص مستلزمات الإنتاج، وإنما تمتد إلى غياب استراتيجية متكاملة لتطوير هذا المحصول وتحقيق أقصى استفادة اقتصادية منه.

 وأوضح غانم، فى حديثه لـ«الوفد»، أن اللوف يُعد من المحاصيل الثانوية فى مصر، حيث لا تتجاوز المساحات المزروعة به فى أغلب المواسم نحو 3 آلاف فدان، وتتركز زراعته فى عدد من محافظات الدلتا، خاصة الشرقية والبحيرة وكفر الشيخ، رغم ما يمتلكه من فرص واعدة فى الأسواق الخارجية.

 وأشار إلى أن المحصول يواجه تحديات متعددة، يأتى فى مقدمتها تأثيرات التغيرات المناخية، مثل ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وزيادة معدلات الملوحة، وهى عوامل تؤثر بشكل مباشر على إنتاجية وجودة الألياف، فضلاً عن ضعف انتشار مفهوم سلاسل القيمة المضافة الخاصة بالمحصول.

 وأضاف، أن مصر فى كثير من الأحيان تقوم بتصدير اللوف فى صورته الخام أو بعد إجراء بعض المعاملات البسيطة للحفاظ عليه، وهو ما يمثل خسارة اقتصادية كبيرة، مقارنة بالعوائد التى يمكن تحقيقها حال تصنيعه وتحويله إلى منتجات نهائية تدخل فى صناعات العناية الشخصية والاستحمام والمنتجات الصديقة للبيئة.

 وأكد أستاذ الزراعة الأورجانيك أن اللوف يمثل «محصولاً نقديًا واعدًا» يمكن أن يحقق عوائد اقتصادية مرتفعة حال تطوير منظومة إنتاجه، مشددًا على ضرورة تحرك وزارة الزراعة لإنتاج أصناف جديدة أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية المتغيرة، إلى جانب إطلاق حملة قومية لتعريف المزارعين بأفضل الممارسات الزراعية الخاصة بالمحصول.

 وطالب بإنشاء وحدات تصنيع صغيرة بالقرب من مناطق الإنتاج فى محافظات مثل الشرقية والبحيرة، بهدف تحويل اللوف إلى منتجات تصديرية نهائية بدلاً من الاكتفاء بتصديره كمادة خام، بما يرفع القيمة الاقتصادية للمحصول ويوفر فرص عمل جديدة فى المناطق الريفية.

 وبينما تتجه الأسواق الأوروبية إلى التوسع فى استخدام منتجات اللوف الطبيعى بديلاً عن الإسفنج الصناعى والبلاستيك، يبقى السؤال مطروحًا داخل الحقول المصرية: هل تستطيع الزراعة المحلية الحفاظ على هذا المحصول التصديرى، أم أن ارتفاع تكلفة الإنتاج سيجبر المزارعين على هجره تدريجيًا؟

 حتى الآن، لا يزال اللوف المصرى يحتفظ بجودته وسمعته فى الأسواق الخارجية، لكن المزارعين يؤكدون أن استمرار هذه المكانة يتطلب سياسات تدعم الإنتاج قبل أن يتحول محصول يحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطنى إلى زراعة مهددة بالتراجع.