رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حتمية الاستقرار

لم يعد الاستقرار في مصر مجرد هدف سياسي عابر أو شعار مرحلي، بل تحول إلى "حتمية تاريخية" تفرضها طبيعة المرحلة وتعقيدات البيئة الجيوسياسية، ففي عالم يتسم بالتقلبات السريعة والأزمات المتشابكة، أدركت الدولة المصرية أن الحفاظ على استقرارها الداخلي لم يعد خياراً يمكن تأجيله، بل هو شرط وجودي للبقاء، وحجر الزاوية لأي تقدم حقيقي.

أولًا: البيئة الإقليمية المشتعلة وضرورة "التماسك الداخلي"
تقع مصر في قلب منطقة تشهد اضطرابات ممتدة؛ من تداعيات الصراع في غزة، إلى الأزمات في السودان، مروراً بالتوترات في البحر الأحمر، هذا الواقع جعلها تدرك أن تماسكها الداخلي هو "خط الدفاع الأول" والأخير، فقد أثبتت التجارب المحيطة أن انهيار الاستقرار الداخلي يُفقد الدولة قدرتها على حماية حدودها ومصالحها، وهو ما دفع القيادة المصرية إلى تبني سياسات استباقية، وتعزيز المنظومة الأمنية والمجتمعية لتكون درعاً يصد الصدمات الخارجية.
ثانيًا: الاستقرار كشرط مسبق للتنمية الاقتصادية
في معادلة الاقتصاد الحديث، "رأس المال جبان" يفر من الفوضى، لذلك ارتبط مفهوم الاستقرار في مصر ارتباطاً عضوياً بجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وتنفيذ المشروعات القومية، وحماية مصادر الدخل القومي، فالمستثمر المحلي والأجنبي يبحث عن بيئة آمنة وقوانين مستقرة، ومن هنا أصبح الاستقرار 
هو الممهد الأساسي لرؤية مصر الاقتصادية (2030 وما بعدها)، وضماناً لاستمرار عجلة الإنتاج والبناء.
ثالثًا: توسيع مظلة الأمن القومي (الأمن الشامل)
لم يعد الاستقرار يقتصر على البعد العسكري أو الأمني التقليدي، بل تبنت مصر مفهوماً شاملاً يمتد ليشمل الأمن الاقتصادي، والاجتماعي، والغذائي، والمائي، تجلى ذلك في مبادرات مثل "حياة كريمة" لتطوير الريف المصري، وتوسيع قاعدة الحماية الاجتماعية، وتأمين المخزون الاستراتيجي للسلع الأساسية،
هذه السياسات تدمج بين حماية الحدود من الخارج، وتوفير العدالة الاجتماعية والخدمات من الداخل، مما يخلق "توازناً مجتمعياً" يغلق الأبواب أمام أي المحاولات الوقيعة أو زعزعة الأمن العام.
رابعًا: الرؤية السياسية وبناء "الدولة الحديثة"
لعبت القيادة السياسية دوراً محورياً في ترسيخ هذه العقيدة، من خلال التركيز على مشروع "بناء الدولة الحديثة" الذي لا يقتصر على البنية التحتية فحسب، بل يشمل بناء المؤسسات، ورقمنة الخدمات، وتطوير الجهاز الإداري، كما أدركت الدولة أن الاستقرار المستدام يتطلب "عقداً اجتماعياً" جديداً، يعيد بناء الثقة بين المواطن والدولة، من خلال الشفافية، وتوصيل الخدمات للمواطن في مكانه، وإشراكه في عملية التنمية.
خامسًا: مصر كـ "مرساة إقليمية" في خضم الفوضى
ساهمت حالة الاستقرار النسبي والمتماسك في مصر في تعزيز مكانتها كـ "مرساة إقليمية" لا غنى عنها. ففي الوقت الذي تتأرجح فيه دول الجوار، أصبحت مصر شريكاً موثوقاً، ووسيطاً فاعلاً، وصانعاً للسلام في العديد من الأزمات، فالاستقرار الداخلي يمنح القاهرة "القوة الناعمة" والقدرة على التأثير في المعادلات الدولية، ويجعلها شريكاً استراتيجياً لا يمكن تجاوزه لأي دولة كبرى تبحث عن نفوذ في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا.
سادسًا: التحديات الراهنة واختبار "المرونة الاستراتيجية"
رغم النجاحات الكبيرة، تدرك الدولة أن الاستقرار ليس حالة "ثابتة" بل هو مسار ديناميكي، تواجه مصر اليوم تحديات تتطلب يقظة مستمرة، أبرزها: الضغوط التضخمية العالمية، وتداعيات التغير المناخي على الأمن المائي والغذائي، والزيادة السكانية، لذلك، يتطلب الحفاظ على هذا المكسب تطويراً مستمراً للسياسات الاقتصادية، وترشيداً للإنفاق، وتعزيزاً للوعي المجتمعي، وتكاملاً أوثق بين كافة أجهزة الدولة.
الاستقرار كـ "بوصلة" للمستقبل
ومن هذا المنطلق، لم يعد الاستقرار في مصر هدفاً مرحلياً ننتهي منه، بل أصبح "مساراً استراتيجياً طويل الأجل" يرتبط ببقاء الدولة وقدرتها على المنافسة، إن المعادلة المصرية اليوم واضحة، كلما تعززت دعائم الاستقرار الشامل، زادت قدرتنا على تحويل التحديات إلى فرص، وترسخت مكانة مصر كدولة عصرية، قادرة على حماية حاضرها، وصناعة مستقبل أبنائها في أكثر الأوقات اضطراباً في تاريخ المنطقة.