رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كيف مهدت تشريعات الانفتاح غير المنضبط للانتقال من دولة الإنتاج إلى اقتصاد الاستهلاك؟

لم تسقط الزراعة المصرية في يوم واحد، ولم تنهَار الصناعة الوطنية بقرار منفرد، ولم تصبح مصر أكثر اعتمادًا على الخارج بسبب أزمة عابرة. ما جرى كان مسارًا طويلًا من التشريعات والسياسات التي بدأت تُغيّر هوية الدولة الاقتصادية تدريجيًا، حتى انتهينا إلى اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج، ويستورد أكثر مما يصنع، ويقترض أكثر مما يصدر.

بعد ثورة يوليو، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع بعض سياساتها، كان الاتجاه العام واضحًا: بناء دولة منتجة، وحماية الصناعة الوطنية، ودعم الفلاح، وإنشاء قاعدة صناعية ثقيلة، وتوسيع التعليم المجاني والرعاية الصحية، وبناء مؤسسات اقتصادية تضع الإنتاج في قلب التنمية.

لكن بعد منتصف السبعينيات بدأ التحول الكبير.

لم يكن الانفتاح الاقتصادي في حد ذاته خطأ، فكل الدول الناجحة انفتحت على العالم. الخطأ كان أن يتحول الانفتاح إلى فتح الأبواب بلا ضوابط، وبلا سياسة صناعية، وبلا استراتيجية لحماية المنتج الوطني، وبلا استعداد مؤسسي يسمح للاقتصاد المصري بمواجهة المنافسة العالمية.

لقد جرى الانتقال من اقتصاد تقوده الدولة إلى اقتصاد السوق بسرعة أكبر من قدرة مؤسسات الدولة على التكيف، فأصبحت التجارة أكثر ربحية من الصناعة، والاستيراد أكثر سهولة من التصنيع، والمضاربة أكثر إغراءً من الاستثمار المنتج.

وهنا بدأت سلسلة من التشريعات التي غيّرت فلسفة الاقتصاد.

فجاء قانون الاستثمار والانفتاح الاقتصادي رقم 43 لسنة 1974 ليجذب رؤوس الأموال، لكنه في التطبيق العملي فتح الباب واسعًا أمام نشاط تجاري واستهلاكي لم يصاحبه مشروع صناعي متكامل قادر على بناء سلاسل إنتاج وطنية.

ثم جرى إضعاف المنظومة التعاونية الزراعية، التي كانت تؤدي دورًا في توفير مستلزمات الإنتاج والإرشاد وتنظيم العمل الزراعي، فتراجع هذا الإسناد المؤسسي الذي اعتمد عليه ملايين الفلاحين.

وجاء القانون رقم 117 لسنة 1976 ليغيّر طبيعة بنك التنمية والائتمان الزراعي، فتراجع تدريجيًا دوره التنموي لصالح الاعتبارات المصرفية، وأصبح الفلاح يواجه السوق وحده بدرجة أكبر من السابق.

ثم جاءت مرحلة الخصخصة وإعادة هيكلة القطاع العام، وعلى رأسها قانون 203 لسنة 1991، لتدخل الصناعة الوطنية مرحلة جديدة، شهدت بيع أو تصفية عدد من المصانع، مع استمرار الجدل حول ما إذا كانت هذه الإجراءات قد حققت إصلاحًا اقتصاديًا أم أضعفت القاعدة الصناعية.

وأخيرًا جاء القانون رقم 96 لسنة 1992 بشأن العلاقة بين المالك والمستأجر في الأراضي الزراعية، ليغير أوضاعًا استقرت لعقود، وهو قانون ما زال محل نقاش بين من يراه تصحيحًا لأوضاع الملكية ومن يراه عبئًا على قطاعات من صغار المزارعين.

هذه القوانين لم تُلغِ قوانين يوليو نصًا، لكنها غيّرت الفلسفة التي قامت عليها. انتقلت الدولة من مفهوم الإنتاج إلى مفهوم السوق، ومن التخطيط طويل الأجل إلى الاعتماد المتزايد على قوى السوق، ومن حماية المنتج الوطني إلى اقتصاد أكثر انفتاحًا على المنافسة الخارجية.

والنتيجة التي يراها كثيرون اليوم واضحة أمام الجميع: اتساع فجوة الواردات، وتراجع مساهمة الصناعة التحويلية في الاقتصاد مقارنة بالطموحات، وارتفاع الاعتماد على العملات الأجنبية لتمويل احتياجات الإنتاج والاستهلاك، وتزايد حساسية الاقتصاد للصدمات الخارجية.

إن القضية اليوم ليست الحنين إلى الماضي، ولا إعادة إنتاج نموذج اقتصادي بحذافيره، وإنما استعادة المبادئ التي صنعت قوة الدولة الإنتاجية.

نحتاج إلى تشريعات تعيد الاعتبار للتصنيع المحلي، وتربط الاستثمار بنقل التكنولوجيا، وتمنح الأفضلية للمكون المحلي، وتعيد بناء التعاونيات الزراعية على أسس حديثة، وتوفر التمويل التنموي للفلاح والمصنع، وتربط الجامعات بالصناعة، وتستخدم الجمارك والمشتريات الحكومية كأدوات لدعم الإنتاج الوطني، لا مجرد أدوات لتحصيل الإيرادات.

إن استعادة السيادة الاقتصادية لا تعني الانغلاق، بل تعني أن يكون الانفتاح وسيلة لبناء القوة الوطنية، لا بابًا لتآكلها.

لقد أثبتت تجارب الدول الصاعدة أن الاقتصاد الحر لا ينجح دون دولة قوية، وأن السوق لا يصنع نهضة بمفرده، وأن التنمية ليست تجارة واستيرادًا فقط، بل صناعة، وزراعة، وتكنولوجيا، ومؤسسات، وتشريعات تحمي المصلحة الوطنية.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل صانع قرار: هل نكتفي بإدارة نتائج التحول الذي بدأ قبل عقود، أم نمتلك الشجاعة لإطلاق موجة جديدة من الإصلاح التشريعي تعيد لمصر مكانتها كدولة منتجة، مستقلة القرار، وقادرة على المنافسة؟