رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى


ليست كل الهزائم العسكرية متشابهة، وليست كل الحروب التي تخسرها الولايات المتحدة يمكن وضعها في خانة واحدة. فالفشل الأمريكي في فيتنام أو الصومال أو بيروت أو أفغانستان ارتبط في جانب كبير منه بحروب طويلة استنزفت القوة الأمريكية وأجبرتها على دفع أثمان بشرية وسياسية واقتصادية باهظة. أما المواجهة مع إيران فإنها تطرح سؤالاً أكثر خطورة
ماذا يحدث عندما تواجه الولايات المتحدة دولة تمتلك جيشاً نظامياً وقدرات صاروخية ومسيرات وقاعدة صناعية عسكرية تستطيع الرد على الضربة بالضربة؟
هنا تختلف المعادلة.
فإذا انتهت الحرب دون أن تتمكن واشنطن من تحقيق أهدافها الأساسية ودون تدمير القدرة العسكرية الإيرانية فإن الرسالة لن تكون موجهة إلى إيران وحدها، وإنما إلى العالم كله.
إيران في هذه الحالة لن تخرج من الحرب باعتبارها دولة نجت من الهزيمة فقط، بل باعتبارها دولة استطاعت اختبار القوة العسكرية الأمريكية في مواجهة مباشرة.
وهذا فارق استراتيجي كبير.
فالحرب الحديثة لم تعد تقاس فقط بعدد الطائرات والصواريخ وحاملات الطائرات، وإنما بقدرة كل طرف على منع خصمه من تحقيق أهدافه السياسية والعسكرية. وقد تستطيع دولة أقل قوة من الولايات المتحدة أن تمنع القوة الأعظم من الوصول إلى أهدافها إذا امتلكت القدرة على إلحاق أضرار مؤلمة بالبنية العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية للخصم.
وهنا تكمن أهمية التجربة الإيرانية.
إسرائيل أمام اختبار مختلف
ربما تكون إسرائيل من أكثر الأطراف التي ستشعر بتداعيات هذه الحرب.
فالتفوق العسكري الإسرائيلي ظل لعقود يمثل أحد أعمدة التوازن الإقليمي، وكانت إسرائيل تعتمد على تفوقها التكنولوجي وعلى الدعم الأمريكي المباشر باعتباره جزءاً من منظومة أمنها القومي.
لكن دخول الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى والطائرات المسيرة إلى معادلة الردع يفرض واقعاً جديداً.
لم تعد إسرائيل قادرة على النظر إلى إيران باعتبارها خصماً يمكن ضربه دون حساب حجم الرد المقابل.
فالخطر الحقيقي ليس في الضربة الأولى وإنما في اليوم التالي لها.
إذا أصبحت المدن والمنشآت الحيوية والمطارات والموانئ وشبكات الطاقة الإسرائيلية عرضة لضربات صاروخية واسعة، فإن الحسابات السياسية والعسكرية ستتغير بصورة عميقة.
ومن هنا فإن أي تردد إسرائيلي في خوض حرب شاملة مع إيران سيكون في حد ذاته مؤشراً على تغير معادلة الردع.
والولايات المتحدة نفسها قد لا ترغب في توسيع الحرب إذا كان دخول إسرائيل الكامل إليها سيؤدي إلى فتح جبهات جديدة وإغراق المنطقة في مواجهة يصعب التحكم في مسارها.
فواشنطن لا تخشى فقط على إسرائيل من الصواريخ الإيرانية، وإنما تخشى أيضاً أن تتحول حماية إسرائيل إلى عبء عسكري واستراتيجي يستنزف الولايات المتحدة نفسها.
تريليونات الدولارات أمام سؤال الجدوى
أنفقت الولايات المتحدة على مدى عقود مليارات ضخمة لدعم إسرائيل عسكرياً واقتصادياً وسياسياً، وجعلت من أمنها جزءاً أساسياً من استراتيجيتها في الشرق الأوسط.
لكن السؤال الذي ستطرحه أي حرب كبرى مع إيران هو
هل تستطيع الولايات المتحدة أن تضمن التفوق الإسرائيلي إلى الأبد مهما تغيرت موازين القوة في المنطقة؟
إذا كانت الإجابة سلبية فإن واشنطن ستضطر إلى إعادة تقييم جانب كبير من استراتيجيتها الشرق أوسطية.
وهذا لا يعني بالضرورة انهيار إسرائيل أو نهاية التحالف الأمريكي الإسرائيلي، وإنما يعني أن تكلفة حماية هذا التحالف قد ترتفع بصورة غير مسبوقة.
الصين تراقب إيران وتتعلم
على الجانب الآخر تجلس الصين أمام المشهد الإيراني وهي تراقب بعين استراتيجية شديدة التركيز.
فبكين لا تحتاج إلى خوض حرب لكي تتعلم منها.
يكفي أن تدرس كيف تعاملت إيران مع التفوق الجوي الأمريكي وكيف تعاملت مع الصواريخ والمسيرات وكيف واجهت الضغوط الاقتصادية والعسكرية وكيف استطاعت المحافظة على قدرتها على الرد.
تايوان هي القضية الأكثر حساسية هنا.
فالصين تدرك أن أي حرب مستقبلية حول تايوان لن تكون حرباً محلية، وإنما مواجهة محتملة مع الولايات المتحدة وحلفائها.
ولهذا فإن كل إخفاق أمريكي في الشرق الأوسط يمكن أن يتحول إلى درس عسكري في شرق آسيا.
لكن الخطأ سيكون في الاعتقاد أن الولايات المتحدة فقدت القدرة على الدفاع عن تايوان. فالمسرح العسكري في غرب المحيط الهادئ مختلف تماماً عن الشرق الأوسط، والقدرات البحرية والجوية والاقتصادية الأمريكية لا تزال ضخمة.
لكن الصين ستدرس شيئاً أكثر أهمية من مسألة الانتصار العسكري
ستدرس قدرة واشنطن على تحمل حرب طويلة متعددة الجبهات.
وهذا ربما يكون أحد أخطر الدروس التي يمكن أن تخرج بها بكين من الحرب الإيرانية.
روسيا وأوكرانيا
أما موسكو فسوف تقرأ نتائج الحرب من زاوية مختلفة.
فروسيا تخوض منذ سنوات حرباً طويلة في أوكرانيا وتراقب حدود قدرة الغرب على تقديم الدعم العسكري والمالي لكييف.
إذا خرجت الولايات المتحدة من الحرب الإيرانية وهي أكثر حذراً تجاه الدخول في صراعات عسكرية جديدة فإن موسكو قد ترى في ذلك فرصة لرفع سقف مطالبها في أي مفاوضات مقبلة.
كما أن أوروبا ستجد نفسها أمام سؤال تاريخي جديد
هل تستطيع حماية أمنها بعيداً عن المظلة الأمريكية؟
وهذا السؤال لم يعد نظرياً.
فأوروبا تواجه حرباً على حدودها الشرقية، والولايات المتحدة تواجه صراعاً متزايداً مع الصين، والشرق الأوسط قابل للانفجار في أي لحظة.
وبالتالي فإن توزيع القوة الأمريكية بين هذه المسارح الثلاثة سيكون أحد أهم عناصر الصراع الدولي في السنوات المقبلة.
فلسطين... سقوط احتكار الردع
أما القضية الفلسطينية فقد تدخل مرحلة جديدة إذا ثبت أن إيران استطاعت مواجهة القوة الأمريكية والإسرائيلية دون أن تفقد قدرتها العسكرية.
فالقضية الفلسطينية لم تعد فقط قضية شعب واقع تحت الاحتلال، وإنما أصبحت جزءاً من صراع أوسع على شكل النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
وإيران هي الدولة الإقليمية الأبرز التي تضع قدرتها العسكرية في مواجهة إسرائيل بصورة مباشرة.
وهنا فإن مجرد امتلاك القدرة على تهديد العمق الإسرائيلي يغير الصورة النفسية والسياسية للصراع.
لكن الحديث عن انهيار إسرائيل أو حدوث هجرة جماعية منها يحتاج إلى قدر كبير من الحذر. فالدول لا تسقط لمجرد تعرضها للصواريخ، والهجرة ترتبط بعوامل اقتصادية وأمنية وديموغرافية وسياسية معقدة.
لكن استمرار الحرب وارتفاع مستوى التهديد الأمني يمكن أن يؤثر في ثقة قطاعات من المجتمع الإسرائيلي بمستقبل الأمن والاستقرار، وهو عامل لا ينبغي تجاهله في أي دراسة مستقبلية للصراع.
الحرب التي تغير العالم
المشكلة الحقيقية بالنسبة للولايات المتحدة ليست فقط أن تفشل في تحقيق هدف عسكري في إيران.
المشكلة أن العالم قد يتعلم من هذا الفشل.
روسيا ستتعلم
الصين ستتعلم
إيران ستتعلم
وحتى حلفاء واشنطن سيعيدون حساباتهم.
فالقوة الأمريكية لا تقاس فقط بحجم ترسانتها العسكرية وإنما بقدرتها على إقناع العالم بأن استخدامها للقوة قادر على تحقيق النتائج السياسية التي تريدها.
وإذا بدأت الدول الكبرى والصغرى في الاعتقاد بأن الولايات المتحدة تستطيع تدمير جزء من قدرات خصمها لكنها لا تستطيع إجباره على الاستسلام أو تغيير سياساته، فإن مفهوم الردع الأمريكي نفسه سيتعرض لاختبار تاريخي.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة
قد تخسر الولايات المتحدة معركة ولا تخسر مكانتها، لكن إذا فقدت قدرتها على إقناع خصومها بأنها تستطيع دائماً فرض إرادتها بالقوة فإن الخسارة تتحول من خسارة عسكرية إلى أزمة في النفوذ.
هذه هي التداعيات الأخطر للحرب الإيرانية.
فالمعركة لم تعد فقط بين واشنطن وطهران.
إنها معركة على صورة القوة الأمريكية، وعلى مستقبل الردع الإسرائيلي، وعلى حسابات الصين في تايوان، وعلى مستقبل الحرب الأوكرانية، وعلى شكل الشرق الأوسط بعد الحرب.
وربما يكون أهم درس جيوسياسي هو أن العالم دخل مرحلة لم تعد فيها القوة العسكرية وحدها كافية لصناعة النصر.
فالدولة التي تستطيع منع خصمها من تحقيق أهدافه تستطيع أن تغير نتائج الحرب حتى لو كانت أقل منه قوة.
وهنا تبدأ ملامح عالم جديد
عالم تتراجع فيه فكرة القوة المطلقة وتعود فيه الجغرافيا والقدرة على الصمود والردع المتبادل إلى قلب السياسة الدولية.،،!!
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجغرافيا السياسية
متخصص في الجيوسياسة  والصراعات الدولية ،،!!