خبير: تمكين الشباب انتقل من المشاركة إلى مواقع صنع القرار
شهد ملف تمكين الشباب في مصر خلال السنوات الأخيرة تحولات لافتة، مع زيادة الاهتمام بإتاحة المجال أمام الأجيال الجديدة للمشاركة في العمل العام وتولي مواقع المسؤولية، في إطار توجه يستهدف إعداد كوادر قادرة على تحمل مسؤوليات الدولة والمساهمة في صياغة رؤى وسياسات تتناسب مع المتغيرات المتسارعة التي يشهدها المجتمع.
ولم يعد حضور الشباب في المشهد العام مقتصرًا على المشاركة في الفعاليات أو الأنشطة المجتمعية، وإنما امتد إلى مساحات أكثر ارتباطًا بالإدارة وصناعة القرار والعمل المؤسسي.
ويأتي هذا التحول في وقت أصبحت فيه قضايا الشباب جزءًا أساسيًا من النقاش حول مستقبل الدولة، خاصة مع امتلاك الأجيال الجديدة أدوات مختلفة في التعامل مع التكنولوجيا والإعلام الرقمي والتواصل المجتمعي، إلى جانب قدرتهم على التعامل مع أنماط جديدة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وهو ما يطرح تساؤلات حول مدى نجاح تجربة تمكين الشباب، وما إذا كانت قد تحولت بالفعل من مجرد حضور عددي إلى مشاركة مؤثرة في صناعة القرار.
ومن جانبه، رأى الدكتور أحمد يحيى، الخبير الاستراتيجي، أن تجربة تمكين الشباب خلال السنوات الأخيرة تعكس تحولًا في النظرة إلى دور الأجيال الجديدة، من كونهم فئة تحتاج إلى الرعاية والتأهيل إلى اعتبارهم أحد المكونات الأساسية في بناء مؤسسات الدولة وإعداد قيادات المستقبل.
من المشاركة إلى تحمل المسؤولية
وأوضح الخبير الاستراتيجي أن التطور الأهم في ملف الشباب يتمثل في الانتقال من فكرة المشاركة الرمزية إلى منح الشباب فرصًا أكبر للتواجد في مواقع المسؤولية، بما يسمح لهم باكتساب خبرات عملية في الإدارة والتعامل مع الملفات المختلفة.
وأشار إلى أن تولي الشباب مسؤوليات داخل المؤسسات يمثل مرحلة مهمة في بناء القيادات، لأن الخبرة الحقيقية لا يمكن اكتسابها من خلال التدريب النظري فقط، وإنما تحتاج إلى ممارسة فعلية ومسؤولية مباشرة وقدرة على التعامل مع الأزمات واتخاذ القرارات.
وأكد أن وجود الشباب في مواقع المسؤولية يتيح كذلك للمؤسسات الاستفادة من أفكار جديدة، خاصة في الملفات المرتبطة بالتكنولوجيا والتحول الرقمي والتواصل مع الأجيال الجديدة.
رصيد استراتيجي للدولة
ولفت يحيى إلى أن الشباب يمثلون رصيدًا استراتيجيًا لأي دولة، خاصة عندما يتم الاستثمار في قدراتهم العلمية والعملية وتوفير المسارات التي تمكنهم من المشاركة الفاعلة في الحياة العامة.
وأوضح أن التعامل مع الشباب باعتبارهم طاقة بشرية يمكن توظيفها في عملية التنمية يساهم في بناء قاعدة واسعة من الكوادر القادرة على تحمل المسؤولية مستقبلًا، بدلًا من الاعتماد على أجيال محدودة في إدارة المؤسسات.
وأشار إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إتاحة الفرصة أمام الشباب، وإنما في ضمان حصولهم على التأهيل المناسب والصلاحيات التي تمكنهم من أداء أدوارهم بصورة حقيقية وفعالة.
التدريب أساس بناء القيادات الجديدة
وأكد الخبير الاستراتيجي أن التدريب يمثل أحد أهم الأدوات التي يمكن من خلالها تحويل عملية تمكين الشباب إلى مشروع مستدام لإعداد القيادات.
وأوضح أن الكوادر الشابة تحتاج إلى برامج متخصصة في الإدارة العامة، وصنع السياسات، وإدارة الأزمات، والتخطيط الاستراتيجي، والتفاوض، والاتصال الجماهيري، إلى جانب المهارات التكنولوجية التي أصبحت عنصرًا أساسيًا في العمل المؤسسي.
وأشار إلى أن التدريب يجب ألا يكون منفصلًا عن الممارسة، وإنما ينبغي أن يتكامل مع إسناد مهام حقيقية للشباب، حتى يتمكنوا من تحويل ما اكتسبوه من معارف إلى خبرات عملية قابلة للتطوير.
التكنولوجيا تعزز حضور الشباب
وأشار يحيى إلى أن التطور التكنولوجي منح الأجيال الجديدة أدوات مختلفة للتعامل مع قضايا المجتمع، وهو ما يمكن أن يمثل إضافة مهمة إلى عملية صنع القرار.
وأوضح أن الشباب أكثر قدرة على التعامل مع المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة، وهو ما يمكن الاستفادة منه في تطوير آليات التواصل بين المؤسسات والمواطنين، والتعرف بصورة أسرع على اتجاهات الرأي العام واحتياجات الفئات المختلفة.
وأكد أن الاستفادة من هذه القدرات تتطلب دمج التكنولوجيا والبيانات في عمليات الإدارة وصنع السياسات، بما يسمح باتخاذ قرارات أكثر دقة وسرعة واستجابة للمتغيرات.
ويرى الخبير الاستراتيجي أن قياس نجاح تجربة تمكين الشباب لا يجب أن يتوقف عند عدد الشباب الذين وصلوا إلى مواقع المسؤولية، وإنما يجب أن يمتد إلى قياس مدى تأثيرهم في القرارات والسياسات التي يتم اتخاذها.
وأوضح أن المشاركة الحقيقية تعني أن يمتلك الشباب مساحة لطرح الأفكار، والمشاركة في مناقشة الملفات، وتحمل مسؤولية النتائج، والمساهمة في تطوير آليات العمل داخل المؤسسات.
وأشار إلى أن وجود الشباب في المناصب دون منحهم صلاحيات حقيقية قد يحول التمكين إلى مجرد تمثيل شكلي، بينما يصبح التأثير الفعلي هو المؤشر الأهم على نجاح التجربة.
وأكد يحيى أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الحفاظ على الكفاءات الشابة التي تم إعدادها، من خلال توفير مسارات واضحة للتطور الوظيفي والقيادي، وعدم التعامل مع تمكين الشباب باعتباره مرحلة مؤقتة.
وشدد على أهمية خلق بيئة مؤسسية تسمح بتبادل الخبرات بين الأجيال، بحيث يستفيد الشباب من خبرات القيادات الأكبر سنًا، وفي الوقت نفسه تستفيد المؤسسات من الأفكار والمهارات الجديدة التي يمتلكها الجيل الشاب.
وأشار إلى أن هذا التكامل بين الخبرة والتجديد يمكن أن يمثل أحد أهم عوامل نجاح عملية تطوير مؤسسات الدولة.
من تمكين الشباب إلى إعداد قيادات المستقبل
واختتم الخبير الاستراتيجي بالتأكيد على أن تمكين الشباب يجب أن يتحول إلى استراتيجية طويلة المدى تستهدف إعداد جيل قادر على تحمل مسؤوليات أكبر خلال السنوات المقبلة، موضحًا أن الاستثمار في العنصر البشري يمثل أحد أهم أشكال الاستثمار في مستقبل الدولة.
وأوضح أن المرحلة المقبلة تتطلب شبابًا يمتلكون المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار، إلى جانب فهم عميق للتحديات المحلية والإقليمية والدولية، بما يمكنهم من التعامل مع الملفات المختلفة برؤية أكثر شمولًا.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض