رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قطوف

مصافحة الوداع (قصة قصيرة)

بوابة الوفد الإلكترونية

من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب والرواد في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.

          

 

               مصافحة الوداع

 

اهتزت الرؤية أمام عينيه قبل أن يستعيد توازنه. كانت الشمس في كبد السماء، تحرق جسده بحرارتها القاسية. الساعة الثانية عشرة ظهرًا، وهو ينظر إلى ساعته كل ثانية، ينتظرها بلهفة. وما إن ظهرت أخيرًا، بابتسامتها الآسرة، حتى تبدد عنه عناء السفر، ولسعة الشمس، وضيق انتظارها الذي طال نصف ساعة.

مدت يدها لمصافحته، فتجمد للحظة، وابتلع ريقه قبل أن يمد يده إليها. حاول أن يفتح أي حديث، لكنه فشل كعادته، فاكتفى بابتسامة مرتبكة وسألها عن أحوالها. أجابته بخجل، ثم سألته السؤال نفسه. لم يجرؤ أيٌّ منهما على البوح بما يثقل القلب، ويؤرق النوم، ويختبئ خلف النظرات. ثم افترقا.

كان طريق العودة بطيئًا، بينما مر شريط عمره أمام عينيه. تذكر رجفة يدهما في أول مصافحة، ونظراتها التي كانت تربكه في كل مرة. كان يلوم نفسه لأنه أضاع فرصة جديدة ليخبرها بحبه.

دخل شقته، فوجدها في كل ركن؛ يراها تضحك، تتحدث إليه، ترتب المكان، تعانقه، ثم تبكي. كانت حاضرة في غيابها أكثر من حضورها.

رن جرس الباب، فدخل أحد أصدقائه يدعوه إلى حفل خِطبته، وأصر على حضوره. هنأه ووعده بأنه سيكون هناك، ثم ودعه.

مرت عدة أيام منذ آخر مرة رآها. استيقظ متأخرًا، يوبخ نفسه على سهره الطويل. كان يوم الخميس، التاسعة صباحًا، حين سافر من قريته إلى قريتها في محافظة أخرى. وصل في الحادية عشرة والنصف، وحمد الله أنه لم يتأخر. انتظر نصف الساعة المعتادة بفارغ الصبر، وقد عقد العزم هذه المرة ألا يغادر قبل أن يخبرها بكل ما أخفاه طوال السنوات.

مر الوقت ثقيلًا... لكنها لم تأتِ.

تأخرت أكثر من كل مرة.

هل مرضت؟

أصابها مكروه؟

ارتجف قلبه عند تلك الفكرة، وأخذ يدعو الله أن تكون بخير.

بدأت حرارة الشمس تخف، وانحنت نحو المغيب، فعاد يجر خطواته المثقلة، بعد ساعات طويلة من الانتظار.

لم يشتهِ الطعام ذلك اليوم، لكنه تجهز ليذهب إلى خِطبة صديقه.

وهناك...

رآها.

كانت أشبه بأميرة، بفستانها الأنيق، ومكياجها الرقيق، وطرحتها البيضاء، وضحكتها التي طالما أحبها.

تقدم نحوها، ناسِيًا كل شيء. كم حلم بهذا اليوم، أن يراها تقف إلى جواره، تهمس في أذنه، وتتزين لأجله بهذا الجمال.

لكن عينيه وقعتا على صديقه يقف بجانبها.

تجمد في مكانه.

ابتلع ألمه، وتقدم يهنئهما، متمنيًا لهما السعادة. صافحها... لكن هذه المرة لم تكن مصافحة لقاء، بل كانت مصافحة وداع.

ابتسمت له، فابتسم ابتسامة باهتة، ثم اختفت سريعًا وهو يغادر الحفل هاربًا من وجعه.

كان يعبر الطريق شارد الذهن، يستعيد صورتها وهي تبتسم له، وتمد يدها لمصافحته.

ابتسم رغم ألمه.

وفجأة...

شق صمت الطريق صوت سيارة مسرعة.

رفع رأسه.

اتضحت الرؤية للحظة، لكن جسده لم يسعفه بالحركة.

ثم...

اختفت الرؤية.

واختفى معها الإحساس بكل من حوله.