من المعلوم لكل عشاق الأدب والفنون أن الإبداع الفني خلقٌ وابتكار في سياقٍ جمالي، ومن حيث إنه خلق فهو إحداثٌ لجديد لم يكن لنا به عهد، ولابد فيه من الروعة والإدهاش، كما لابد أن يكون جميلًا ممتعًا؛ وعليه فإن الفن قائمٌ ضرورةً على الخلق وإلا فقد معناه ومتعته، وهما معًا أهم ما في الفن. وإن حياةً بلا فن تفقد معنى الحياة.
وفي كتابه "فن الأدب" يحدثنا الأديب الراحل "توفيق الحكيم" عن الإبداع الأدبي معناه وغايته، فيتسائل عن عملية الخلق والابتكار في فن الأدب تحديدًا؛ ليصل إلى نتيجة أن الإجابة ليست سهلة، وأنها تحتاج إلى تفصيل لا توفيه عبارة واحدة؛ ذلك أن الخلق الأدبي ليس إخراج الوجود من العدم؛ وإنما أن تنفخ الروح في مادة موجودة بالفعل، وهذا يعني بوضوح أن الأدب ليس فيه شيء يخرج من لا شيء، ولذلك فإن الابتكار في الأدب ليس أن تطرق موضوعًا لم تُسْبَق إليه؛ وإنما أن تتناول الفكرة التي قد تكون مألوفة للناس فتصب عليها من فنك ما يجعلها خلقًا جديدًا يبهر العيون ويأخذ بالألباب.
والإبداع الأدبي هو أن تعالج الموضوع الذي كاد يبلى فإذا هو يضيء بين يديك. وباختصار يمكن القول إن الخلق الفني هو أن تنفخ في المادة الموجودة بالفعل من روحك فتحييها من جديد.
ويستمر "الحكيم" في شرح معنى الإبداع فيضع أيدينا على حقيقة أن أغلب آيات الفن قد نُقِلَت موضوعاتها من موضوعاتٍ سابقةٍ عليها؛ فالكثير من موضوعات " وِلْيَم شكسبير" منقول من موضوعات تناولها قبله الشاعر والمؤلف الإيطالي" جيوفاني بوكاتشيو" مبدع الـ "ديكاميرون" كما نقل "موليير" بعض الموضوعات عن الشاعر والكاتب المسرحي والروائي الفرنسي" بول سكارون" و عن "لوب دي فيجا" ونقل "جوته" موضوع قصة "فاوست" الشهيرة عن الشاعر والكاتب المسرحي الإنجليزي " كريستوفر مارلو" أما تفاصيل القصة وأحداثها فمن خياله وحده، ونقل "راسين" تراجيدياته عن "يوربيدوس" و"سوفوكليس".
وإذا نظرنا إلى أدبنا العربي القديم فليس من الصعب أن نجد معنى البيت الواحد وموضوعه ينتقل من شاعرٍ إلى آخر مرتديًا في كل زمن ثوبًا مختلفًا، لأن لكل عصر صياغته الأدبية، وقد شاع هذا الأمر في أدبنا القديم حتى رأينا النقاد والدارسين يختلفون في الموضوعات عند الشعراء؛ فإذا قال شاعرٌ في موضوعٍ ما أبياتًا من قصيدة أو قصيدة كاملة تسائلوا فيما بينهم: أتراه أول من تحدث في هذا الموضوع مطلقًا؟ أم أنه تلقاه عن غيره وصاغه بأسلوبه فَنُسِب إليه؟
ويُرَجِّح "الحكيم" أن الموضوع في الفن ليس الأولى والأهم، كما أن الوقائع والأحداث في القصص ليست محور التقييم؛ وإنما الأهم والأولى هو رؤية الفنان الخاصة للموضوعات، واستخراجه للمعاني الجديدة من تفاصيل الأحداث والوقائع؛ فالأديب الحق هو القارئ الأول لما وراء الحدث، وهو الذي يضع أيدي القراء على ما لا تراه أعينهم وما لا تدركه عقولهم، ويلخص "الحكيم" هذا المعنى بقوله: "الفن ليس في الهيكل؛ إنما الفن في الثوب" ومعنى العبارة أن الفن هو الثوب الجديد الذي يُلبِسُه الفنان للموضوع القديم وهو "الكسوة المتجددة لكعبةٍ لا تتغير".
والفنان حين يطرق موضوعًا سبق لفنان آخر تناوله، وسواءً كان هذا الآخر معاصرًا له أو سابقًا عليه؛ فإنه بذلك يأتي أمرًا ليس بالهَيِّن؛ إذ لا يوجد ما هو أشق على المبدع من الإتيان بجديد في موضوعٍ ليس جديدًا؛ فهذا معناه أنه يكشف عن زوايا مختلفة ورؤية غير مسبوقة في موضوع يعرفه القراء.
ومن هنا فإن عمل الكاتب الحقيقي أن يكشف عمَّا غاب عن عيون القراء؛ ولهذا يرى "الحكيم" أن عمل "راسين" في قصة "أندروماك" هو بلا شك أفضل أدبِيًّا من عمل "بونسون دي تراي" في روايته "رو كامبول" بشخصيتها التي اخترعها الكاتب ونسج أحداثها العجيبة من مخيلته فقط.
والسؤال الآن: إذا كانت عملية الخلق عند الأديب لا تقف عند حدود الموضوع أو الفكرة؛ فما هو الخلق الفني إذن؟... إنه باختصار: أن تكون أنت، أن تُسمِعَنا صوت، ألَّا تكرر غيرك. وإن أعظم المعجزات للخالق القدير سبحانه وتعالى هي "شخصية الإنسان" لأنها مُتَفَرِّدة – عند الأسوياء- ولا تشبه شخصية أخرى؛ فهي تمامًا مثل البصمة، ولا توجد منها نسخة أخرى.
إن الإنسان يختلف عن غيره في كل شيء؛ في الجسم والشعور والذوق والعقلية والطبع والروح، كل أولئك يختلفون في الشخص الواحد عن غيره من الأشخاص، وكل فرد يظهر في هذه الدنيا جديدًا كل الجِدَّة بشخصيته التي تُخْلَق معه وترحل معه عند موته، ومع أن كل البشر يتحدون في الجوهر؛ إلا أن كل شخص يولَد لا يكرر شخصًا سواه، وهذا هو محور الإعجاز الإلهي ومَجْلى طلاقة القدرة الربانية.
على أن هذا الاختلاف وتلك الجِدَّة لا تلازمنا طول الوقت؛ فأوضاع الحياة الاجتماعية وناموس القوة والضعف، وتقليد الصغار للكبار فيما يمكن تسميته بـ "جاذبية الذوات الكبرى" كل هذا يفعل فينا فعله؛ فنحن ما إن نخرج من الأرحام وندرج في مهد الطفولة حتى يتلقفنا الكبار من الأهل والأقرباء فيفرغون في عقولنا كل تعاليمهم وتجاربهم فلا نبصر الأشياء إلا بعيونهم، وهكذا نصبح مُسْتَلَبِين؛ إلا أن الأديب الحق هو الذي يفر ببعض ذاته أو بذاته كلها لو أمكن، ويقرر أن يرى الدنيا بعينه هو فيندهش ويملي علينا دهشته في قصيدة أو قصة قصيرة أو رواية.
إنه المتمرد الذي قرر أن يستبقي بعض روحه ليعيش حياته هو لا حياة غيره، والذي قرر أن يستبقي الطفولة بعالمها الخفي الخاص الذي يتصل مباشرةً بأسرار الطبيعة المتحررة من منطق الناس، فالطفولة عالمٌ مشيد في أحضان الطبيعة الطليقة، والطفل يرى الأشياء دائِمًا كثوبٍ جديدٍ سحري، ولهذا قيل: "من استطاع أن يبقى طفلًا فقد استطاع أن يبقى شاعرًا".
على أن "جاذبية الذوات الكبرى" كما هي موجودة في دنيا الناس؛ فإنها توجد أيضًا في محيط الأدب والفن، حيث توجد قامات أدبية مرموقة تشبه النواة في الذرة، والشخصيات الأدبية الأصغر منها تنجذب إليها وتدور حولها دون أن تدري، فهي تكتب من خلال منظورها، ولا يتحرر من هذه الجاذبية إلا الأديب الذي استطاع أن يتعرف إلى ذاته وأن يصل إلى شخصيته، والعجب كله أن أكثر الأدباء يؤكدون على تفردهم وأن لهم شخصية إبداعية مستقلة؛ فإذا نظرت إلى المشهد الأدبي الحزين الممتلئ بالفواجع لن تجد إلا أقلية حافظت على بصمتها الإبداعية الخاصة.
إن المتمرد على القامات الأدبية الكبرى يريد أن يصنع شخصيته الإبداعية المتفردة، ولهذا يصبح كل همه تحطيم تلك النواة التي يطوف حولها الأدباء في زمنه، والتحطيم هنا لا يعني إهالة التراب على منجزات المبدعين العباقرة؛ وإنما يعني تحطيم التقليد، ولفت الأنظار إلى الإبداع الذي هو جوهر كل فن، وبغيره لا وجود للفن.
ويعطينا "توفيق الحكيم" بعض الأمثلة التطبيقية على "تحطيم النواة" أو ما يسميه "الفنبلة الذرية في عالم الفن" ومن هذه الأمثلة: الموسيقار العالمي الشهير "بيتهوفن" الذي بذل جهدًا كبيرًا للخروج عن جاذبية موسيقى "موتزارت" وسطوتها، وفي عالم الأدب "جوته" الذي كافح مع أقرانه الأدباء من أجل الخروج من دائرة جاذبية "فولتير".
ومما سبق ندرك أن عملية الخلق الفني هي في حقيقتها بحث الأديب المتواصل عن ذاته؛ فإذا اكتشف تلك الذات أبدع من خلالها أعماله الفنية التي تجعله من المبدعين الجديرين بكل إعجاب وتقدير.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض