رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

استراحة غداء في بنغازي تفتح خزائن الذكريات لـ "الوفد"

السفيرة مشيرة خطاب: قالوا لي الخارجية ليست للشوبينج لأنني طالبت بسفر الدبلوماسيات

السفيرة مشيرة خطاب
السفيرة مشيرة خطاب

الفيتو" دكتاتورية تعطل العدالة.. ومصر تستحق مقعداً دائماً بمجلس الأمن

الدبلوماسية المصرية قوة ناعمة لا تقدر بثمن.. وميثاق "بيت العرب" و"الأمم المتحدة" بحاجة لإصلاح جذري

العمل الحقوقي ساحة نضال لحماية كرامة الإنسان وتجربة اليونسكو كشفت لي حقيقة "التربيطات الدولية"


شرط الإجماع في الجامعة العربية غير ديمقراطي ويصادر إرادة الأغلبية

لم يكن لقاءً بروتوكوليًا صارمًا، ولم تفصلنا طاولة اجتماعات باردة، هنا في مدينة بنغازي، وخلال استراحة غداء اقتطعناها من جدول الجلسات والمحاضرات المكثف بمؤتمر "الإصلاح والعدالة"، جمعنا لقاء مفعم بودية غير متكلفة.

وحين ذكرتها بلقائنا الأول عام 2009 — عندما كنتُ طالبة إعلام طموحة تخطو خطواتها الأولى، وكانت هي تملأ الدنيا ضجيجاً إيجابياً بصفتها "وزيرة الدولة للأسرة والسكان" المستحدثة آنذاك— ابتسمت تلك الابتسامة الدبلوماسية الدافئة وقالت: "أتذكر تلك الأيام، كنا نبني مؤسسات من الصفر ونخوض معارك الوعي.. واليوم نلتقي مجدداً في ليبيا لنبحث عن إصلاح ما تهدم في هذا العالم".

الدكتورة والسفيرة مشيرة خطاب واحدة من أبرز القامات الدبلوماسية والحقوقية؛ مسيرة حافلة استهلتها كأولى دفعتها بالمعهد الدبلوماسي، وصولاً لتمثيل مصر بالخارج وسفيرة لبلادها، ثم منصب وزيرة الدولة للسكان، فضلاً عن عملها الحقوقي البارز وترشحها السابق لرئاسة "اليونسكو". شغفها المهني والحقوقي لم ينطفئ، وتطمح لاستكمال مسيرتها في تقديم خبراتها العريضة من خلال العودة للعمل داخل أروقة ولجان الأمم المتحدة.

هنا، استأذنتها لفتح جهاز التسجيل لجريدة "الوفد"، فتحول الحديث التلقائي إلى وثيقة صحفية موسعة، تتراص فيها الرؤى السياسية الدبلوماسية بجانب الشغف الحقوقي الصارم، لتفتح السفيرة صندوق ذكرياتها ورؤيتها المستقبلية للسياسة الخارجية

 سعادة السفيرة، بين استراحة المحاضرات اليوم ونحن نستعيد الذكريات.. في 2009 كنتِ تقودين معركة اجتماعية لتغيير مفاهيم الأسرة والسكان في مصر. اليوم ونحن في "بنغازي" نتحدث عن "الإصلاح والعدالة". هل تغيرت المعركة أم تغيرت الأدوات؟

(بنبرة هادئة لكن حازمة): المعركة واحدة ، وهي معركة "الوعي وكرامة الإنسان". في 2009، عندما كنت وزيرة، كان التحدي هو إقناع المجتمع بأن تنظيم الأسرة، ومناهضة ختان الإناث، وزواج القاصرات، ليست رفاهية بل معركة بقاء وتنمية. واليوم، هنا في مؤتمر العدالة، نقول نفس الشيء للدول والمجتمعات: العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان ليست كماليات سياسية، بل هي البنية التحتية لأي استقرار مستدام.

الفرق الوحيد هو أنني كنت حينها أقاتل بلوائح تنفيذية وتشريعات وطنية، واليوم، ومن مواقع الخبرة المستقلة والعمل الحقوقي، أقاتل بمبادئ حقوقية ومواثيق دولية. الأدوات تتطور والتجارب تتراكم، لكن البوصلة تظل واحدة: كرامة المواطن وحقوقه.

هذا الشغف بالدفاع عن الحقوق يعيدنا بالذاكرة إلى ما قبل الوزارة.. تحديدًا لأروقة المعهد الدبلوماسي في بداياتكِ، حيث خضتِ معركة مبكرة لإقرار المساواة للمرأة الدبلوماسية. كيف بدأت تلك المواجهة؟

(تعتدل في جلستها وتسترجع الفخر) المعركة بدأت عندما اكتشفنا وجود تمييز صارخ في اللوائح القديمة؛ حيث كان يُسمح للدبلوماسي الرجل بالزواج من أجنبية مع استمرار عمله، بينما تُجبر الدبلوماسية المرأة على الاستقالة فوراً إذا تزوجت من غير مصري! فضلاً عن وجود اتجاه عام يمنع سفر الدبلوماسيات للخارج.

 أذكر عندما كنت ملحقًا تحت الاختبار، حضر وزير الخارجية آنذاك للحديث معنا، رفعت يدي وسألته بمنتهى الأدب: "معالي الوزير، لماذا تحرم الدبلوماسيات من السفر والمساواة بزيملائهن الرجال؟". فرد علي حينها: "وزارة الخارجية ليست وزارة السياحة، والسفر ليس للشوبينج". فرددت عليه تلقائياً: "حضرتك هذا الانضباط ينطبق على الرجل كما ينطبق على المرأة".

يومها تكهربت الأجواء وتدخل البعض لجذبي من ملابسي ، لكني اتربيت في بيتي على مناقشة والدي بأدب دون الحَجر على رأيي. قدت مع زميلاتي حراكاً قانونياً وإدارياً داخل الخارجية لتعديل هذه اللوائح.

 وتخرجت الأولى على الدفعة، ونجحنا في انتزاع حقوقنا وإقرار المساواة الكاملة. اليوم اختلفت الدنيا وأصبحت لدينا سفيرات متميزات يمثلن مصر في كل المحافل.

 بين معركة اللوائح والوصول لقمة الهرم الدبلوماسي.. كيف ترين مكانة الدبلوماسية المصرية ودورها على الساحة الدولية اليوم؟

الدبلوماسية المصرية تحظى باحترام كبير جدًا من كافة شعوب ودول العالم، وهذه شهادة السفراء الأجانب أنفسهم. أذكر عندما استلمت مهامي كسفيرة لمصر في جنوب أفريقيا، ووفقاً للعُرف الدبلوماسي بدأت في تبادل الزيارات مع السفراء المعتمدين هناك، وكنت ألمس إشادة إجماعية بالدبلوماسية المصرية وبدورنا الريادي والتاريخي.

 مصر لعبت وتلعب دورًا مشهود له بالتقدير في قضايا كبرى؛ انظري مثلاً عندما دُعينا أمام محكمة العدل الدولية ووقفت الدبلوماسية الشابة جاسمين موسى وقدمت دفاعًا مبهرًا. هذا نموذج للدبلوماسية الشابة، وإلى جانب هذه الكوادر الفتية، لدينا قامات وعتاولة في هذا المجال مثل عمرو موسى.

 الأهم بالنسبة للدبلوماسي المصري اليوم هو دراسة الميثاق الدولي بجودة عالية، لمعرفة الفرص والتحديات، وكيف نوظف الموقف بالتواصل المباشر مع الوفود وفدًا وفدًا لخدمة قضايا الوطن بفاعلية. ولذلك أحزن كثيراً عندما تقع أزمة مالية وتتجه القرارات لتخفيض ميزانية وزارة الخارجية! الخارجية ليست مجرد اتصالات سياسية؛ الدبلوماسيون يجلبون المنح والقروض والمساعدات، ويخدمون الاقتصاد والثقافة والسياسة بشكل مباشر.

 على ذكر الهيكلة، ما رأيك في تجربة دمج وزارة الخارجية مع المصريين في الخارج والتعاون الدولي؟

لا تهمني المسميات بقدر ما تهمني الأدوات المتاحة لوزارة الخارجية لتقوم بدورها. اليوم لديك ثلاث وزارات في وزارة واحدة، عندما نتحدث عن دمج ثلاث ملفات كبرى في كيان واحد وهي الخارجية، والمصريين في الخارج، والتعاون الدولي فنحن أمام ثلاث وزارات في وزارة واحدة. والسؤال الفعلي والمحك الرئيسي هنا ليس في المسمى، بل في الإمكانيات ،السؤال الحقيقي هو: هل وفرت لها الاعتمادات المالية الكافية لتغطية المهام الثلاث؟ وهل تملك الكادر العددي الكافي لمتابعة هذه الملفات؟ هذا هو المحك الرئيسي.

 تحدثتِ عن دراسة الميثاق، واليوم مع الخبرة العريضة التي امتلكتها بالعمل التنفيذي والدبلوماسي، تطمحين للعودة للعمل بفعالية داخل لجان الأمم المتحدة. كيف ترين آفاق هذا الدور وما الذي تتطلعين لتقديمه؟

العمل داخل أروقة الأمم المتحدة ولجانها التخصصية يُعد ساحة نضال حقوقي ودبلوماسي حقيقي. أطمح لنقل الخبرات التراكمية التي اكتسبتها في مجالات حقوق المرأة والطفل والعدالة الاجتماعية والتنمية، لخدمة أهداف المنظمة الأممية وإعادة ترميم ثقة الشعوب بها. العمل في اللجان الأممية ليس مجرد وظيفة، بل هو منصة لصناعة السياسات الدولية وتوجيه دفة المعايير نحو مزيد من الإنصاف والديمقراطية.

 على ذكر المنظومة الأممية، كان الحديث صاخب في المؤتمر حول "ازدواجية المعايير". ما هي الثغرات التي شلت هذه المنظومة وكيف ترين التغيير؟

 النظام الدولي الحالي يعيش أزمة شرعية حقيقية لأن آليات اتخاذ القرار فيه تعكس توازنات قوى الحرب العالمية الثانية، وليس واقع القرن الحادي والعشرين. الأعضاء الدائمون صاحبو حق "الفيتو" (أمريكا، روسيا، الصين، إنجلترا، فرنسا) يمثلون واقعاً قديماً. أين ألمانيا وهي دولة في غاية القوة اليوم؟ وأين الدول الاسكندنافية؟ وأين التمثيل العربي؟ دولة مثل مصر تستحق بجدارة عضوية دائمة بمجلس الأمن؛ لما تحمله من مسؤوليات ضخمة في حفظ السلم والأمن الدوليين ومشاركاتها الواسعة في قوات حفظ السلام.

 آلية "الفيتو" تحولت إلى أداة لتعطيل العدالة؛ وانظري إلى ما يحدث في غزة أو الشعب الفلسطيني الذي يُحرم من حق تقرير مصيره وتُدهس بحقه قرارات الأمم المتحدة. القانون الدولي الإنساني يمر بأقسى اختباراته.

وما الحل القانوني لمواجهة "دكتاتورية الفيتو" من واقع دراستكِ للميثاق؟

 الميثاق يوفر حل قانوني وديمقراطي غائب عن الكثيرين؛ وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، إذا عجز مجلس الأمن عن القيام بمهمته في حفظ السلم بسبب الفيتو، تنقل صلاحياته إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب قرار "الاتحاد من أجل السلام" (وهو القرار الذي أعددت حوله رسالة الماجستير الخاصة بي). تم إقراره في الأزمة الكورية وأُعيد تطبيقه في أزمة الكونغو، وهو أداة تزيد من ديمقراطية المنظمة وتثبت أن الدبلوماسية القائمة على دراسة الميثاق قادرة على إيجاد المخارج.

كيف يمكن لجامعة الدول العربية أن تتحول إلى منظمة إقليمية أكثر فاعلية وإلزامية؟ وما رأيكم في النداءات التي تطالب بنقل مقرها؟

 ميثاق الجامعة كتب سنة 1945، ولا بد للمنظمات الإقليمية أن تتطور وإلا ستمثل مجرد عبء مالي. معضلة الجامعة تكمن في بند "التصويت بالإجماع"، وهو أمر غير ديمقراطي؛ لأنه يتيح للأقلية المصادرة على إرادة الأغلبية. يمكنك الاعتماد على أغلبيات موسعة مثل "أغلبية الثلثين" لتصبح القرارات نافذة وفعالة كالاتحاد الأوروبي.

 أما عن نداءات نقل المقر، فاستضافة مقر منظمة دولية هو شرف كبير وأيضًا التزام وعبء وتكلفة مالية ضخمة تتحملها الدولة المضيفة واللوجستيات، وهذا العبء يجب أن يقدر. الجامعة تقوم بأدوار ممتازة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية ومراقبة الانتخابات، ونحن لا نجلدها بل نريد تمكينها لتكون نظيرًا قوياً للاتحاد الأوروبي أو الأفريقي.

 من واقع خبرتك الحقوقية والدبلوماسية، كيف تفككين رؤية من يرى أن حقوق الإنسان قد تمثل خطراً على الاستقرار أو ذريعة للتدخل الخارجي؟

هذه المقاربة مغلوطة تمامًا. حقوق الإنسان ليست خطر أو فوضى، بل هي نتاج قانون يطبق وإرادة حرة تمارس. الاستقرار الحقيقي والتحصين ضد التدخل الخارجي لا يتحققان بتهميش الحقوق، بل بتمكين المواطن. عندما يشعر المواطن بأن كرامته مصونة بقوة القانون، يصبح هو حائط الصد الأول للدولة.

أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية هو قيادة الدولة؛ حيث أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان كأول رئيس يقوم بهذه الخطوة. ومصر صدقت على أكبر 9 اتفاقيات دولية لحقوق الإنسان، بل إن الدستور نص في المادة (93) على أن الاتفاقيات المصدق عليها تعتبر جزءاً من التشريع الوطني، وعند التعارض يعدل التشريع الوطني ليواكبها طالما انضممنا إليها بإرادتنا.

 في حديثنا الجانبي القصير قبل بدء التسجيل الرسمي، تطرقتِ لملف المؤسسات العقابية والتطوير الجاري بها.. كيف ترين هذا الملف من واقع الخبرة الحقوقية؟

 الرؤية الحقوقية السليمة تنطلق من فلسفة حاسمة: "السجن هو عقوبة لسلب الحرية بالقانون، ولكنه لا يسلب السجين إنسانيته أو حقوقه المكفولة دستوريًا". التطوير الحقيقي والتوسع في مراكز الإصلاح والتأهيل، جنباً إلى جنب مع التوسع في قرارات العفو الرئاسي والإفراج عن النزلاء وكبار السن، والتوسع في إعادة دمج المفرج عنهم ورعايتهم صحياً واجتماعياً، يُعد ترجمة حقيقية لبنود الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان. نزع أثر السجن عن المفرج عنهم واستيعابهم مجتمعياً هو السبيل الأمثل لتعزيز الاستقرار وسيادة القانون.

خضتِ سابقًا معركة الترشح لمنصب مدير عام منظمة "اليونسكو". ما الذي كشفته لكِ تلك التجربة؟ وكيف ترين مشهد "الإصلاح" هنا في ليبيا ومصر تقف بجوارها؟

تجربة اليونسكو أكدت لي أن الانتخابات الدولية لا تحسمها الكفاءة الثقافية أو الرؤية الفكرية للمرشح وحسب، بل تحكمها التوازنات السياسية والتربيطات بين الدول الكبرى. ومع ذلك، كانت المعركة شهادة حية على ثقل مصر وقوتها الناعمة التي منحها إياها التاريخ.

وهذا ينطبق على وجودنا هنا في بنغازي؛ فالدبلوماسية المصرية ثقيلة الوزن، ووجودنا ليس مشاركة شرفية بل رسالة بأن أمننا واستقرارنا واحد. الإصلاح الحقيقي في دولة تحاول استعادة عافيتها مثل ليبيا الشقيقة لا يمكن فرضه من الخارج، والحلول المستوردة تذبل سريعًا. ليبيا دولة ذات جذور، والإصلاح يبدأ عندما تتوافق القوى الوطنية على "عقد الاجتماعي" جديد يصون الحقوق ولا يقصي أحدًا، ودورنا كجيران وأشقاء هو الدعم والتمكين لا الوصاية.

 قبل أن ننتهي من استراحة الغداء ونعود لاستكمال الجلسات، ونغلق جهاز التسجيل.. لو عاد بكِ الزمن لتلك الطالبة التي حاورتكِ في 2009، وللمسؤولة التي كنتِها.. ما النصيحة التي كنتِ ستوجهينها لنفسكِ ولها؟

(تضحك من قلبها وتنظر بحب و واعتزاز) كنت سأقول لنفسي: "سأظل كما أنا احب المناقشة والمواجهة بكل احترام لا تخافي من الصوت العالي للمعارضين للتغيير، فالتاريخ يكتبه الجريئون". في 2009 واجهنا هجومًا شرسًا وتشكيكًا وحملات ارهاب فكري ضدنا عندما فتحنا ملفات الأسرة والطفل وقضية الختان وتحديد النسل، واليوم أصبحت هذه القضايا مسلمات قانونية ومجتمعية يحميها الدستور.

ونصيحتي لك بعد أن أصبحتِ صحفية محترفة، وللجيل الجديد بأكمله: راهنوا دائماً على "الحق" حتى لو كنتم قلة في البداية. الحقوق تنتصر في النهاية، ليس لأنها الأقوى، بل لأنها الأبقى.