"السلام ليس غياب الحرب فحسب، بل هو فضيلة وحالة ذهنية استعداد للمحبة والعدالة"
الفيلسوف الهولندي باروخ سبينوزا
تأخذك الأقدار أحياناً إلى مسارات لم تكن ضمن مخططاتك الأولى، ولكنها تكون بالأحرى هي "الرسالة" الأسمى التي كتبت لك. منذ دراستي في كلية الإعلام، كان حلمي الشغوف أن أكون "مراسلة حرب"، أن أرتدي الخوذة والسترة الواقية من الرصاص، لأغوص وسط الانهيار وتحت دوي المدافع لنقل الحقائق المستترة. كنت أعلم أن الأقمار الصناعية وكاميرات الأجهزة الحديثة قد ترصد الانفجارات، لكنها أبدًا لن تجسد "المشاعر الإنسانية"؛ فهذه تحتاج لعين صحفي يمتلك حس عالى وإنسانية حية.
شاء الله أن يتغير المسار، فلم أغط دمار الحروب، بل اختار لي أن أكون صحفية للسلام، أغطي مبادرات التنمية، وأرصد بقع الضوء والازدهار في بلاد كابدت أهوال الصراعات. وجدت رسالتي الحقيقية في صناعة وتجسيد السلام بين الشعوب عبر الكلمة، وطرح المقترحات التوافقية أمام صناع القرار.
منذ أسبوعين كانت زيارتي الثانية لليبيا؛ الأولى كانت إلى طرابلس لتغطية "ملتقى الإعلام العربي" وافتتاح المتحف الوطني، والثانية إلى بنغازي لتغطية "المؤتمر الدولي للعدالة والإصلاح".
على الرغم من الانقسام السياسي والمؤسسي المعقد الذي تتناقله الأخبار بين الشرق والغرب، تجد قاسم مشترك لا يتغير: الشعب الليبي الكريم والشهم. من اللحظة الأولى التي تطأ فيها قدمك أرض المطار، يستقبلك الترحاب والدفء وحسن الضيافة الكريمة الأصيلة. إنها بيئة تفرض عليك احترامها، وتشعرك منذ اللحظة الأولى أنك بين أهلك وفي بيتك.
ومما يؤكد عمق التداخل والنسيج الاجتماعي الواحد الذي يتجاوز أي انقسام حكومي، هو ذلك المشهد العجيب الذي تلمسه في تفاصيل المشهد السياسي نفسه؛ حيث تجد أبناءً ينتمون لطرابلس يشغلون مواقع ومناصب داخل حكومة بنغازي، والعكس صحيح. إن هذا التداخل الإنساني والجغرافي يعكس حقيقة لا تقبل الجدال: أن الشعب الليبي واحد لا يتجزأ، وأن إرادته الحقيقية تتجه دوماً نحو صياغة دستور جامع يضمن حقوق الجميع، والوصول إلى انتخابات رئاسية ترفع مصلحة ليبيا أولاً وأخيراً فوق أي حسابات أخرى.
خلال إقامتي في بنغازي، أخذتنا جولة بالسيارات في أرجاء المدينة. كانت رائحة اليود المنبعثة من الكورنيش تعيد لرأسي فوراً رسم صورة "إسكندرية" بكل سحرها. وفي المقابل، كانت ملامح الخراب القديمة تقف هناك كأنها تذكار مغطى بوشاح أسود تقارن بين الأمس واليوم لتخبرك: "هنا كان «داعش».. وهنا انتصرت الإرادة".
في كل شارع وميدان نمر به، كانت تحكي لي الحكايات عن فظائع الإرهاب الداعشي:
صلب المواطنين لأيام تحت أشعة الشمس ليكونوا طعماً للطيور الجارحة.
قطع رؤوس الأبرياء والتنكيل بكرامتهم الإنسانية واللعب بها كالكرات.
ولكن في مواجهة هذا الفكر الظلامي، كان هناك صمود أسطوري لشعب رفض أن يترك بيوته، واختار أن يستشهد على عتبات منازله دفاعًا عن كرامته ووطنه. واليوم، تزال تلك الآثار لتستبدل بملامح سريعة ومبهرة للإعمار والتنمية.
تلك المشاهد في بنغازي أعادت إلى ذهني فوراً تجربة مصر في محاربة الإرهاب والدمار عقب ثورة 30 يونيو المجيدة. الثورة التي استرد فيها الشعب المصري بلده من حكم الجماعة الإرهابية التي حاولت سلب مصر هويتها وعمقها العربي والتاريخي.
لقد حاولوا إشعال البلاد وتفجير مؤسساتها، ولولا الوقفة الصلبة للشعب المصري يداً واحدة خلف جيشه العظيم بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، لكانت مصر بتاريخها في خبر كان. إنها ذات المعركة، وذات المصير، وذات الانتصار للكرامة الوطنية.
خلال وجودي ومتابعتي لمؤتمرات العدالة والإصلاح، غمرني الشعور بالفخر والاعتزاز وأنا أرى حضور المرأة في مناصب سياسية وحكومية ولجان الوساطة الدولية وصنع القرار الحقوقي.
البيانات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة (UN Women) تؤكد إلى أنه عندما تشارك المرأة في عمليات السلام، فإن احتمالية استمرار اتفاقيات السلام لمدة 15 عاماً على الأقل تزيد بنسبة 35%. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية؛ فالمرأة هي الأكثر تضرراً من أهوال النزاعات والحروب، ولذا فهي حين تجلس على طاولة التفاوض، تكون الأقدر على "القتال بسلام" والحرص الصلب على نجاح الوساطة وحماية الأجيال القادمة.
إن الحديث عن صناعة السلام في ليبيا يستوجب النظر إلى العمق الاجتماعي الصلب الذي يمثل صمام الأمان الحقيقي لهذا البلد. فإلى جانب الجهود المؤسسية والدولية، يبرز الدور المحوري الأصيل لـ القبائل والعائلات الليبية؛ حيث يتوجب على هذه المكونات الكريمة أن تجلس سوياً على طاولة واحدة، لتقود مصالحة "ليبية - ليبية" شاملة تجمع جميع الأطراف وتنهي حالة التشظي.
إن مسار الوحدة الوطنية يتطلب أن تعلو المصلحة العامة للوطن فوق كافة المصالح الشخصية أو الفئوية الضيقة. فالقبيلة في ليبيا كانت عبر التاريخ، وستظل دائماً، هي الحصن المنيع والجسر الأقوى لنزع فتيل الأزمات، ورسم معالم دولة ليبية واحدة متماسكة تحتضن كافة أبنائها.
وهنا تتجلى الروح التليدة لهذا الوطن في ذاكرته النضالية؛ حيث يحضرني ذلك المشهد الخالد للمناضل الأسطوري شيخ الشهداء عمر المختار ضد الاحتلال، حين سقطت نظارته أثناء المعركة، فاستعادها طفل ليبي ليحفظ الرمز والراية. إنها صورة مكثفة لتوارث الأجيال جينات الصمود والكرامة؛ فالطفل الذي التقط النظارة أمس، هو ذاته الشعب الليبي اليوم الذي يكمل المسيرة، متحولاً من نضال السلاح إلى نضال التنمية والازدهار والحفاظ على سيادة الوطن، كشعب واحد متماسك يرفض التجزئة ويرد التدخلات والمصالح الأجنبية.
إن زيارتي لليبيا من غربها إلى شرقها أكدت لي أن الشعوب الحية قد تمر بمراحل استثنائية عصيبة، لكن أصالة معدنها وروح التنمية والإعمار تظل هي الفيصل. وستبقى ليبيا، بشعبها العظيم ونسائها الرائدات وحكمة قبائلها وعائلاتها، قادرة على كتابة فصل جديد من التوافق والازدهار.
وكما عبر الشاعر الليبي الكبير إبراهيم الأسطى عمر عن هذا الحب الأبدي للوطن والصبر على جراحه:
وما أنا إلا قطعة من ترابه ... فكيف أعادي تربتي وأقاطع
سأحمل جرحي في هواه مباركا ... وأمشي إلى عليائه وأقارع
ولست أبالي أن تموت كواكبي ... إذا كان نجم الوطن في الأفق لامع
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض