لم تعد التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط تسمح بالنظر إليها باعتبارها ملفات منفصلة بل باتت تشكل مشهدًا استراتيجيًا متكاملًا تتداخل فيه السياسة مع الاستراتيجية العسكرية والاقتصاد مع الأمن والمصالح الإقليمية مع حسابات القوى الدولية الكبرى. وما نشهده اليوم قد لا يكون مجرد تصعيد عسكري عابر بل ربما يمثل بداية مرحلة جديدة يعاد خلالها تشكيل موازين النفوذ في المنطقة.
فبعد أشهر من الحرب في غزة وما رافقها من مواجهات على الجبهة اللبنانية وتصاعد التوتر في البحر الأحمر وتبادل الضربات بين إسرائيل وإيران، يبدو أن الشرق الأوسط دخل مرحلة تتجاوز مفهوم "إدارة الأزمات" إلى محاولة إعادة صياغة ميزان القوى الإقليمي.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري يستحق التأمل:
هل كانت السياسة الأمريكية تجاه إيران خلال السنوات الماضية تستهدف فقط احتواء نفوذها أم أنها اعتمدت أيضًا على استراتيجية استنزاف تدريجية لقدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، وصولًا إلى مرحلة تصبح فيها أقل تأثيرًا في معادلات الإقليم؟
لا توجد إجابة حاسمة عن هذا السؤال إلا أن ما شهدته المنطقة خلال الأعوام الماضية يفتح الباب أمام هذا الطرح. فالعقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية والتوترات العسكرية، والضربات المتبادلة جميعها أسهمت في خلق بيئة استنزاف طويلة الأمد دون الوصول إلى مواجهة عسكرية شاملة.
لكن السؤال الأكثر حساسية يبقى:
هل تتجه المنطقة نحو مواجهة واسعة مع إيران إذا فشلت سياسات الردع والاحتواء؟
حتى الآن لا توجد مؤشرات مؤكدة على وجود قرار بحرب شاملة، كما أن أي مواجهة بهذا الحجم ستكون لها كلفة سياسية واقتصادية وعسكرية باهظة على جميع الأطراف. ومع ذلك فإن استمرار التصعيد العسكري وارتفاع مستوى التنسيق الأمني بين الولايات المتحدة وإسرائيل إلى جانب الاستعدادات الإقليمية المتزايدة يجعل هذا السيناريو حاضرًا في تقديرات عدد من المحللين وإن ظل في إطار الاحتمالات وليس الوقائع.
ولو تحقق هذا السيناريو فكيف ستبدو خريطة التحالفات؟
هل سنشهد اصطفافًا عسكريًا تقوده الولايات المتحدة وإسرائيل مع أدوار متفاوتة لبعض الدول العربية؟
وأين سيكون موقع مصر صاحبة أكبر قوة عسكرية عربية التي تقوم عقيدتها الاستراتيجية على حماية أمنها القومي مع تجنب الانخراط في صراعات خارجية إلا إذا ارتبطت بصورة مباشرة بمصالحها الوطنية؟
وماذا عن تركيا التي أثبتت خلال السنوات الماضية أنها تدير علاقاتها الإقليمية وفق منطق المصالح الاستراتيجية لا وفق الاستقطابات التقليدية؟
ثم تأتي باكستان القوة النووية الإسلامية التي ترتبط بعلاقات استراتيجية مع دول الخليج لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي انخراط مباشر في حرب إقليمية ستكون له تداعيات معقدة على أمنها القومي واستقرار محيطها.
وفي المقابل إذا نجحت الجهود السياسية في إنهاء الحرب في غزة عبر اتفاق تقبل به الأطراف المختلفة فهل سيكون ذلك نهاية للصراع؟
ربما لا.
ففي السياسة الدولية كثيرًا ما يكون إغلاق جبهة بداية لفتح جبهة أخرى.
ومن هنا يعود لبنان إلى واجهة المشهد.
فهل تتجه المرحلة المقبلة نحو تعزيز الدعم السياسي والعسكري للمؤسسات الرسمية اللبنانية وعلى رأسها الجيش اللبناني بما يعزز سلطة الدولة ويحد من نفوذ الجماعات المسلحة؟ أم أن تعقيدات الداخل اللبناني وتشابك المصالح الإقليمية والدولية سيجعلان هذا المسار أكثر تعقيدًا؟
لكن يبقى السؤال الأكثر إثارة للنقاش:
إذا تراجع النفوذ الإيراني أو تغيرت مكانة القوى المسلحة المتحالفة معه فهل تنتهي أسباب الصراع في الشرق الأوسط؟
الواقع يشير إلى أن اختزال أزمات المنطقة في طرف واحد قد يكون قراءة غير مكتملة. فالشرق الأوسط يعيش تنافسًا مستمرًا على النفوذ وصراعًا على الممرات البحرية وأمن الطاقة والتكنولوجيا وموازين القوة وهي عوامل ستظل حاضرة مهما تغيرت أسماء اللاعبين أو تبدلت التحالفات.
لذلك، فإن الحديث عن نهاية مرحلة لا يعني بالضرورة نهاية الصراع بل قد يكون بداية لمرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة قواعد اللعبة وتتشكل خلالها تحالفات مختلفة وفق معادلات سياسية وأمنية جديدة.
إن الشرق الأوسط يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي.
قد تنجح الدبلوماسية في احتواء التصعيد وقد يستمر الردع المتبادل لسنوات أخرى وقد تفرض المصالح الدولية والإقليمية تسويات جديدة تعيد ترتيب الأولويات دون الانزلاق إلى حرب شاملة. وفي المقابل يبقى احتمال التصعيد قائمًا إذا أخفقت الجهود السياسية أو حدثت تطورات غير محسوبة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سينتصر؟
بل:
أي شرق أوسط سيخرج من رحم هذه التحولات؟
هل سيكون شرقًا أوسط أكثر استقرارًا وتوازنًا؟
أم شرقًا أوسط تُعاد فيه صياغة خرائط النفوذ والتحالفات بينما تستمر المنافسة الاستراتيجية بأدوات وأشكال مختلفة؟
الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة. لكن المؤكد أن المنطقة تقف أمام لحظة فارقة في تاريخها وأن القرارات التي تُتخذ اليوم قد ترسم ملامح الشرق الأوسط لعقود قادمة سواء عبر مسار التصعيد أو عبر تسويات تعيد تشكيل النظام الإقليمي بأكمله.
كاتب المقال
المتحدث الرسمى باسم حزب الوفد
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض