هناك أحداث توقظ الإنسان من نومه، وأخرى توقظ عقله ليفكر فيما يحدث تحت قدميه. وزلزال فجر الإثنين كان من النوع الثاني، فلم يكن مجرد هزة شعر بها المصريون، بل رسالة جديدة تؤكد أن الأرض التي تبدو ساكنة لا تتوقف عن الحركة.
استيقظت على اهتزاز غير مألوف. لم أتردد في الخروج من المنزل، فوجدت عددًا من الجيران قد سبقوني إلى الشارع، بينما وقف آخرون أمام منازلهم يتبادلون الأسئلة والقلق. كان المشهد كافيًا ليؤكد أن ما حدث لم يكن إحساسًا فرديًا، بل هزة شعر بها الجميع تقريبًا.
لفت انتباهي أحد الشباب وهو يتابع هاتفه المحمول، فسألته أولًا عن قوة الزلزال. فالإجابة العلمية هنا مهمة، لأن الزلازل التي تتجاوز خمس درجات على مقياس ريختر تكون عادة محسوسة بوضوح، خاصة إذا وقعت في ساعات النوم، حيث يسود الهدوء وتصبح حركة المباني أكثر وضوحًا. لكن سؤالي الثاني كان أكثر أهمية: أين يقع مركز الزلزال؟ فهنا يبدأ التفسير العلمي الحقيقي، لأن مركز الهزة وعمقها وطبيعة الصخور التي انتقلت خلالها الموجات هي التي تحدد مدى شعور الناس بها، وليس الرقم وحده.
وربما كان هذا السؤال طبيعيًا بالنسبة لي، فقد درست في قسم الجغرافيا علم الزلازل والبراكين من منظور جيولوجي وجيومورفولوجي، إلى جانب الحركات التكتونية للصفائح الأرضية. وهي علوم تفسر كيف تتحرك القشرة الأرضية ببطء شديد، وكيف تختزن الصخور طاقة هائلة تتحرر فجأة في صورة زلازل. وهو موضوع واسع لا يمكن اختزاله في خبر عاجل أو مقطع فيديو على مواقع التواصل.
تشير البيانات الأولية إلى أن مركز الزلزال كان في نطاق خليج السويس، وهي منطقة ليست غريبة على النشاط الزلزالي، بل تعد أحد أهم المناطق الجيولوجية النشطة في مصر. ويرتبط ذلك بوجود الصدع الفاصل بين الصفيحة الإفريقية والصفيحة العربية، حيث ما زالت الحركات التكتونية مستمرة منذ ملايين السنين، مولدة ضغوطًا هائلة تتحرر على فترات في صورة هزات أرضية متفاوتة القوة.
ومن الناحية الجيولوجية، فإن خليج السويس ليس مجرد مسطح مائي، بل هو وادٍ انهدامي تشكل نتيجة انفصال الصفيحة العربية عن الصفيحة الإفريقية، وما زالت الصدوع الممتدة أسفله نشطة حتى اليوم. ولهذا يعد من أكثر مناطق مصر تسجيلًا للهزات الأرضية، وتخضع حركته لمتابعة مستمرة من الشبكة القومية لرصد الزلازل.
وأعادني هذا الزلزال إلى محطات مختلفة من الذاكرة. أتذكر زلزال الثاني عشر من أكتوبر عام 1992 الذي خلف ضحايا وخسائر كبيرة في مصر، وكنت آنذاك في قبرص أتابع أخباره بقلق. كما أتذكر هزة أخرى شعرت بها أثناء زيارة لإحدى مدن القناة في الساعات الأولى من الصباح. واليوم أعيش المشهد نفسه في قريتي، لكن الزمن تغير، كما تغيرت طريقة تعامل الناس مع الحدث.
في الماضي كنا نبحث عن تفسير ما جرى في الكتب الجامعية والمراجع العلمية وخرائط الجيولوجيا، أما اليوم فأصبح الهاتف الذكي هو المصدر الأول للمعلومة. التكنولوجيا نعمة لا شك في ذلك، لكنها لا تغني عن التفكير العلمي. فلكل زلزال عشرات الروايات على مواقع التواصل، بينما لا توجد إلا رواية واحدة يكتبها العلم، تبدأ من مركز الزلزال، وتمر بالصدوع والحركات التكتونية، وتنتهي بتفسير ما شعر به الناس.
ويبقى السؤال الذي يتكرر بعد كل هزة: هل دخلت مصر حزام الزلازل؟
الإجابة العلمية هي لا. فمصر ليست ضمن الأحزمة الزلزالية الكبرى، لكنها تقع على أطراف مناطق نشطة مثل خليج السويس وخليج العقبة وشرق البحر المتوسط. ولهذا تسجل الشبكة القومية لرصد الزلازل هزات عديدة كل عام، إلا أن معظمها ضعيف ولا يشعر به المواطنون، بينما تبقى الهزات المتوسطة تذكيرًا دائمًا بأن الأرض لا تتوقف عن الحركة.
لقد أيقظ زلزال الإثنين المصريين من نومهم، لكنه أيقظ أيضًا سؤالًا أكثر أهمية: هل نكتفي بقراءة الخبر، أم نحاول فهم ما وراء الخبر؟ فبين شاشة الهاتف وخرائط الجيولوجيا مسافة كبيرة، لا يقطعها إلا العلم والمعرفة...،!!
محمد سعد عبد اللطيف
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية ،،!!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض