رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

مصاريف «الطب» تتراوح بين 165 و350 ألف جنية

الجامعات الخاصة... موسم استغلال أحلام الشباب

بوابة الوفد الإلكترونية

تعمد رسوب الطلاب وزيادة المصروفات أزمات تواجه الأسر.. و«التعليم العالى» آخر من يعلم

رسوم المعامل والأنشطة والمصاريف الإدارية تضاعف أعباء الأسر

خبراء: التعليم رسالة سامية والاستثمار يفقده قيمته ومعايير الجودة والرقابة هما طوق النجاة

 

لا تنتهى رحلة الثانوية العامة بإعلان النتيجة، بل تبدأ معها مرحلة جديدة أكثر تعقيداً. فبعد أن يحسم الطالب معركة المجموع، قد يجد حلمه يضيع بسبب درجة أو أكثر، ومن هنا تجد الأسرة نفسها أمام معركة أخرى عنوانها تدبير نفقات الدراسة فى الجامعات الخاصة التى اصبحت ملاذاً للكثيرين، للالتحاق بالتخصص الذى يحلمون به، ومن هنا تصبح الأسرة مطالبة بتوفير مصروفات تقدر بالآلاف فى ظل ظروف اقتصادية صعبة بل مستحيلة على كثير من الأسر، التى تعانى أشد المعاناة بسبب ارتفاع الأسعار ولكن أمام مستقبل الأبناء تسعى الأثر لبذل الغالى والنفيس، وهو ما تستغله الكثير من الجامعات الخاصة.

وخلال السنوات الأخيرة، فرضت الجامعات الخاصة نفسها باعتبارها أحد أهم مسارات التعليم الجامعى، مستفيدة من التوسع فى إنشاء الجامعات والبرامج الأكاديمية الجديدة، والإقبال المتزايد على التخصصات المرتبطة باحتياجات سوق العمل إلا أن هذا التوسع صاحبه تصاعد فى شكاوى أولياء الأمور من ارتفاع المصروفات الدراسية، وما يرتبط بها من رسوم إضافية ونفقات أخرى، تجعل التكلفة الفعلية للدراسة تتجاوز كثيراً الأرقام المعلنة عند التقديم.

ولم تعد الأعباء تقتصر على قيمة المصروفات الدراسية، بل تمتد إلى رسوم إدارية، ومصروفات معامل، وكتب ومراجع، وسكن جامعى، ومواصلات، وتكاليف معيشة، بالإضافة إلى قيام بعض الجامعات بتعمد رسوب الطالب فى مادة أو أكثر لإطالة بقاء الطلاب فى الجامعة وبالتالى تحصيل المصروفات مراراً وتكراراً، وهو ما يدفع بعض الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المالية، بينما يضطر آخرون إلى اللجوء للاقتراض أو التقسيط حتى لا تتوقف أحلام أبنائهم عند عائق القدرة المادية.

فمنذ إعلان نتيجة الثانوية العامة بدأت الجامعات الخاصة تعلن عن مصروفاتها وشهدت ارتفاعاً كبيراً عن الأعوام الماضية، فعلى سبيل المثال تتراوح مصروفات كلية الطب البشرى بين 165 ألفاً 350 ألفاً فى بعض الجامعات، وكلية الهندسة من 75 ألفاً إلى 370 ألفاً فى الجامعة البريطانية الدولية، وكلية علوم الحاسب 73 ألفاً إلى 330 ألفاً فى أغلى الجامعات، وهذه الأرقام تزيد كل عام وهو ما يمثل عبئًا على كثير من الأسر.

أحلام تصطدم بفاتورة الدراسة

تقول ريم طارق طالبة بالفرقة الأولى: «كل سنة بنبقى قلقانين من قيمة الزيادة فى المصروفات، لأن الأسرة لازم توفر المبلغ فى وقت قصير، وده بيحط ضغط كبير على البيت كله».

ويقول ممدوح على خريج: «فيه جامعات خاصة فعلاً بتقدم مستوى تعليم كويس وفرص تدريب، لكن الطالب وأسرته محتاجين يعرفوا من البداية كل الرسوم والخدمات، علشان يقدروا يقارنوا بين الجامعات ويختاروا على أساس واضح، مش على أساس الإعلانات فقط».

ويقول محمد كامل ولى أمر، 52 عاماً: «كنت متوقع إن مصروفات الجامعة تكون مرتفعة، لكن اللى فوجئت بيه إن المصاريف مش بتقف عند الرقم المعلن بعد التقديم اكتشفنا رسوم إدارية، ورسوم معامل وأنشطة، وكل سنة فيه زيادة جديدة. اضطرينا نستدين علشان نكمل تعليم ابننا».

ويضيف هانى جمال، ولى أمر من إحدى المحافظات: «المشكلة مش فى المصروفات الدراسية بس، لكن كمان السكن والمواصلات والكتب، التكلفة الحقيقية بتكون أكبر بكتير من الرقم اللى الجامعة بتعلنه».

داليا الحزاوى، الخبيرة التربوية ومؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر
داليا الحزاوى، الخبيرة التربوية ومؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر

رسالة وليس استثماراً

وفى هذا السياق، قالت داليا الحزاوى، الخبيرة التربوية ومؤسس ائتلاف أولياء أمور مصر، إن الجامعات الخاصة تمثل ركيزة مهمة فى منظومة التعليم العالى، وتسهم فى استيعاب أعداد كبيرة من الطلاب، إلا أن الزيادات المتكررة فى المصروفات الدراسية باتت تشكل عبئاً متزايداً على الأسر المصرية، خاصة فى ظل الأوضاع الاقتصادية الراهنة وارتفاع تكاليف المعيشة، الأمر الذى يدفع بعض الأسر إلى الاقتراض أو إعادة ترتيب أولوياتها المالية حتى تتمكن من إلحاق أبنائها بهذه الجامعات.

وأكدت أن قرار الالتحاق بجامعة خاصة يجب ألا يبنى على القدرة على سداد مصروفات العام الأول فقط، بل على دراسة دقيقة لقدرة الأسرة على الوفاء بجميع الالتزامات المالية طوال سنوات الدراسة، موضحة أن التعليم الجامعى يمثل التزاماً يمتد لأربع أو خمس سنوات وربما أكثر، ومن ثم أى قرار غير مدروس قد يضع الأسرة تحت ضغوط مالية كبيرة.

وأشارت الحزاوى إلى أن ائتلاف أولياء أمور مصر يتلقى بصورة متكررة شكاوى تتعلق بالزيادات المستمرة فى المصروفات الدراسية، إلى جانب ارتفاع تكلفة السكن الجامعى، خاصة للطلاب الوافدين من المحافظات، وهو ما يضاعف الأعباء المالية الواقعة على كاهل الأسر، مطالبة الجامعات بمزيد من الشفافية والإفصاح عن جميع الرسوم منذ البداية، سواء الخاصة بالدراسة أو السكن أو الخدمات الإضافية، حتى تتمكن الأسر من التخطيط المالى بصورة واضحة.

وأضافت أن التعليم رسالة سامية قبل أن يكون مجالاً للاستثمار، وهو ما يستوجب تحقيق توازن بين حق الجامعات الخاصة فى تحقيق عائد يضمن استمرارية تطوير العملية التعليمية، وحق الأسر فى الحصول على تعليم جامعى بجودة مناسبة وتكلفة عادلة، مشددة على أهمية إعلان المصروفات وأى زيادات متوقعة قبل بدء العام الدراسى بوقت كاف، والتوسع فى تقديم المنح الدراسية للطلاب المتفوقين، إلى جانب توفير أنظمة تقسيط ميسرة تخفف من الأعباء المالية على أولياء الأمور.

ونصحت أولياء الأمور بعدم قصر خياراتهم على الجامعات الخاصة فقط، لافتة إلى أن الدولة توسعت خلال السنوات الأخيرة فى إنشاء الجامعات الأهلية غير الهادفة للربح، والتى تقدم برامج أكاديمية حديثة بتكلفة أكثر توازناً مقارنة بالعديد من الجامعات الخاصة، مؤكدة أن المفاضلة بين جميع البدائل المتاحة واختيار ما يتناسب مع قدرات الطالب وإمكانات الأسرة هو القرار الأكثر حكمة.

الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى
الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى

الجودة هى الفيصل

ومن منظور أشمل، أكد الدكتور مصطفى كامل، استشارى التدريب والتطوير الدولى والخبير التربوى، أن عبارة «بزنس الجامعات الخاصة وأحلام الشباب» أصبحت تعكس واقعاً يعيشه آلاف الطلاب وأولياء الأمور مع كل موسم لتنسيق القبول بالجامعات، إذ تتحول الرغبة المشروعة فى الحصول على تعليم جامعى جيد ومستقبل مهنى واعد إلى سباق مالى تتحمل الأسرة فيه أعباء متزايدة، فى ظل الارتفاع المستمر للمصروفات الدراسية والتنافس الكبير بين الجامعات على استقطاب الطلاب.

وأوضح أن المشهد الحالى يكشف عن تداخل واضح بين الدور التعليمى والاستيعابى للجامعات الخاصة والبعد الاستثمارى، مشيراً إلى أن هذه الجامعات تؤدى دوراً مهماً فى دعم منظومة التعليم العالى من خلال تخفيف الضغط عن الجامعات الحكومية، واستيعاب الأعداد المتزايدة من خريجى الثانوية العامة، فضلاً عن تقديم برامج أكاديمية حديثة تتوافق مع احتياجات سوق العمل، مثل الذكاء الاصطناعى والأمن السيبرانى والطاقة المتجددة، إلى جانب إبرام شراكات مع جامعات دولية تتيح للطلاب فرصاً تعليمية متقدمة دون الحاجة إلى الدراسة خارج البلاد.

وأضاف أن الجانب الاستثمارى أصبح أكثر حضوراً داخل عدد من الجامعات الخاصة، وهو ما انعكس فى الارتفاع الملحوظ للمصروفات الدراسية، حتى بات الالتحاق ببعض البرامج مقتصراً على شريحة معينة من المجتمع، كما أن بعض المؤسسات قد تلجأ إلى تقليص الإنفاق على البحث العلمى أو الاعتماد بصورة أكبر على أعضاء هيئة تدريس غير دائمين بهدف خفض التكاليف وتعظيم العائد، فضلاً عن توجيه جزء كبير من الإنفاق إلى الحملات التسويقية والمبانى الفاخرة على حساب الاستثمار الحقيقى فى جودة العملية التعليمية.

وشدد على أن تحقيق التوازن بين حق الجامعات الخاصة فى تحقيق عائد استثمارى يضمن استدامتها، وحق الطالب فى الحصول على تعليم يوازى ما يدفعه من مصروفات، يتطلب منظومة متكاملة تقوم على الحوكمة والرقابة والشفافية، مؤكداً ضرورة ربط أى زيادة فى المصروفات بمستوى الجودة والاعتماد الأكاديمى، مع إلزام الجامعات بإعادة استثمار جزء من أرباحها فى تطوير المعامل والبنية التحتية والبحث العلمى وتأهيل أعضاء هيئة التدريس

وأوضح أن جودة التعليم لا ترتبط بالمبانى الحديثة أو الحملات الإعلانية، وإنما تعتمد بالأساس على كفاءة أعضاء هيئة التدريس، وتطوير البيئة التعليمية، وتوفير معامل متقدمة ومكتبات رقمية وتقنيات تعليم حديثة، بما ينعكس بصورة مباشرة على مستوى الخريج.

وأضاف أن القيمة الحقيقية للتعليم الجامعى تقاس بقدرة الخريج على المنافسة فى سوق العمل، وهو ما يستلزم التوسع فى برامج التدريب العملى، وإقامة شراكات حقيقية مع مؤسسات الإنتاج والأعمال، وربط تقييم الجامعات بمؤشرات توظيف خريجيها، باعتبارها أحد أهم معايير جودة الأداء الأكاديمى.

وأكد أن المسئولية المجتمعية يجب أن تكون جزءاً أصيلاً من فلسفة عمل الجامعات الخاصة، من خلال التوسع فى تقديم المنح الدراسية للطلاب المتفوقين وغير القادرين، وإتاحة نظم سداد مرنة تخفف العبء عن الأسر.

واختتم حديثه بتأكيد أن الربحية لا تتعارض مع جودة التعليم إذا أديرت الجامعة باعتبارها مؤسسة تنموية تستثمر فى بناء الإنسان على المدى الطويل، وليس مجرد مشروع تجارى يستهدف تحقيق أرباح سريعة، مشدداً على أن إحكام الرقابة، وتطبيق معايير الجودة، وإعادة استثمار جزء من العوائد فى تطوير العملية التعليمية، تمثل الضمانة الأساسية لتحقيق التوازن بين الاستثمار ورسالة التعليم.

الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى 
الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى 

الاستثمار والتعليم

وفى المقابل، يرى الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى المساعد بكلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، أن تناول ملف الجامعات الخاصة يجب أن يقوم على قدر من التوازن والموضوعية، موضحاً أن الجانب الاستثمارى حاضر بطبيعة الحال باعتبار أن هذه الجامعات مؤسسات هادفة للربح، إلا أن ذلك لا يعنى بالضرورة أن تحقيق الأرباح يتم على حساب جودة العملية التعليمية.

وأوضح أن المصروفات الدراسية لا تحدد بصورة عشوائية، وإنما تخضع لضوابط ومعايير تضعها وزارة التعليم العالى، كما تخضع العملية التعليمية نفسها لإشراف ورقابة الوزارة، بما يضمن عدم تغليب الاعتبارات الاستثمارية على الرسالة التعليمية، ويحافظ على مستوى الجودة الأكاديمية داخل تلك المؤسسات.

وأضاف أن تحقيق التوازن بين حق الجامعات الخاصة فى تحقيق عائد استثمارى واستمرارها فى التطور، وبين حق الطلاب فى الحصول على تعليم يوازى ما يدفعونه من مصروفات، يعتمد بالأساس على منظومة رقابية متكاملة، تشارك فيها وزارة التعليم العالى، والهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، إلى جانب المعايير التى تفرضها التصنيفات الدولية للجامعات، والتى تدفع المؤسسات التعليمية إلى التنافس فى جودة البرامج الأكاديمية والبحث العلمى وكفاءة الخريجين.

وأكد حجازى أن الرقابة على المصروفات الدراسية والزيادات السنوية تظل ضرورة مستمرة للحفاظ على التوازن بين البعد الاستثمارى والرسالة التعليمية، مشدداً على أن الهدف الأساسى من إنشاء الجامعات هو تقديم تعليم جامعى متميز، وليس تحقيق الأرباح فقط.

وأشار إلى أن تحديد قيمة المصروفات ينبغى أن يستند إلى معايير موضوعية، من بينها السمعة الأكاديمية للجامعة، وموقعها فى التصنيفات الدولية، ومدى حصول كلياتها وبرامجها على الاعتماد من الهيئة القومية لضمان جودة التعليم والاعتماد، بما يضمن وجود علاقة حقيقية بين ما يدفعه الطالب ومستوى الخدمة التعليمية التى يحصل عليها.

وفيما يتعلق بتأثير ارتفاع المصروفات على مبدأ تكافؤ الفرص، أوضح أن هذا التأثير أصبح أقل حدة خلال السنوات الأخيرة، فى ظل التوسع الذى شهدته منظومة التعليم العالى بإنشاء جامعات حكومية وأهلية جديدة، إلى جانب الجامعات التكنولوجية، واستحداث برامج أكاديمية وتخصصات نوعية داخل هذه المؤسسات، وهو ما أتاح بدائل تعليمية أكثر تنوعاً أمام الطلاب، وساهم فى تقليل الاعتماد على الجامعات الخاصة وحدها لتحقيق الطموحات الأكاديمية والمهنية.