رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

من المقولات المأثورة للمفكر الراحل "سلامة موسى": إن العمل الذهني هو أشق الأعمال على الإنسان!! وقد جاءت هذه العبارة أيضًا عن رجل الصناعة الشهير "هنري فورد"
" Thinking is the hardest work of all, which is why most people avoid it at all costs"
ومعناها: إن التفكير هو أشق عمل على الجميع، وهذا هو سبب إحجام الكثيرين عنه"  
وليس غريباً أن يكون كذلك فإن الذهن هو أكثر أعضاء الجسد سَآمَةً من العمل وأسرعها تعباً من الانكباب على دراسة أي موضوع. 
ولا يخدعنك أيها القارئ العزيز ما تراه من قدرة الإنسان على نوع معين من التفكير، حين يتمنى ويتخيل ويستسلم لخواطره اللذيذة؛ فإن هذا التفكير أشبه بالأحلام منه بالتَّدَبُّر والرَّوِيَّة، ومثل هذه الخواطر تجري في رؤوس الأُمِيِّين والفلاسفة على حَدٍّ سواء.
وإنما المهم ذلك التفكير المقصود الذي نفعله عن وعي وإرادة وتدَبُّر بحيث نضبط خواطرنا ونُسَدِّدُها إلى حيث نريد فتجري في سياق الموضوع ولا تخرج عنه. فمثل هذا النوع من التفكير يشق على معظم الناس، ولا سِيَّما في في زماننا هذا؛ بل إن من الناس من لا يفكر على وجه الإطلاق وإن فكَّر في شيء يكون تفكيره في طعامه ونُزهَتِه والحصول على متعه الشخصية أو في امرأة سواء كانت زوجة أو شيئاً آخر، فإذا تحدثت مع هذا الفارغ في موضوع تجده يردد آراءً تسلمها من مجتمعه وأفكاراً تنتشر في بيئته، وهو يتقمصها ويظنها آراءه وما يدري الغلبان أنه بَغْبَغان..
وحياتنا المدنية الحاضرة قد غمرتها الروح الآلِيَّة والروح الاجتماعية؛ فنحن الآن صنائع الآلة والاجتماع؛ إذ كلاهما يعمل في إضعاف أذهاننا ويضطرنا إلى اقتراض آراء الغير وترديدها بلا تفكر..
فالآلة تمثل الآن ركناً في حياتنا وإذا سقط الركن انهَدَّ البيت على من فيه، أعني أنه إذا أقصينا الآلة عن حياتنا فإننا لن نستطيع العيش وسنتحمل الكثير من الصعوبات حين نرتد إلى حياة البدائيين التي لم نعتد عليها، ورغم انتشار الآلات إلا أننا لا نعرف أو لا يعرف كثيرٌ مِنَّا كيف تعمل، فنحن مثلاً نستخدم الهاتف المحمول ولا نعرف خطوات صناعته، وهذا جزء من الجهل يشملنا جميعاً أو يشمل كثيراً منا حتى لا أقع في رذيلة التعميم.
وقد ساهمت الآلات في هذا الجهل بها ثم في انتشار آفة عدم التفكير عموماً؛ وذلك أن سهولة استخدام الآلة مع ضرورة استخدامها خلقا فينا آفة عدم التفكير في كيفية صناعة الآلة؛ فنحن نقول لأنفسنا باستمرار إن المهم هو استخدام الآلة وليس محاولة معرفة كيف صُنِعَت، وحين نستخدم الآلة لا نفكر فيما حولنا، فاستخدامنا للآلة يجعلنا آلِيِّين بدورنا !!
كما أن اختلاط الناس ببعضهم وهو ما نقصده من مصطلح "روح الاجتماع" قد زاد عن القرون الغابرة، فإن أهالينا في الماضي كانوا يعودون في المساء فيلتزمون بيوتهم لانعدام النور في الطرقات وقلته في البيوت، فلم يكونوا يتزاورون في المساء ولا كانت هناك وسائل تواصل اجتماعي، وكان الناس يركبون الخيل والبغال والحمير، لكن لما ركبوا القطار تقاربت المسافات ولم يعد هناك فروق كبيرة بين سكان القاهرة وسكان الأقاليم، حيث دخل سكان الأقاليم القاهرة واختلطوا بأهلها وتغيرت لذلك فيهم اشياء، فصاروا مثلاً أكثر وعياً والحق يقال، واكتسبوا بعض العادات من سكان العاصمة.
كما أن انتشار التلفزيون في البيوت جعل من اللهجة القاهرية لهجة عامة لسكان البَنَادِر في عموم الجمهورية، فتجد مثلاً أهل الزقازيق لا ينطقون القاف جيماً كما اعتاد أهلنا في الأرياف، بل ينطقونها أَلِفًا مثل سكان القاهرة.
ولكن روح الاجتماع هذه وتقارب الناس واختلاطهم مع بعضهم البعض جعلت المجتمع أكثر سيطرة على الفرد، فالفرد لا يمكنه الخروج عن الرأي الغالب في مجتمعه وإلا لاحقه أفراد المجتمع بسِيَاط النقد والتوبيخ وقديمًا قِيل: "كَلِمُ اللِّسان أشد وأنْكَى من كَلْمِ السِّنان" والمقصود بالسنان: السيف.
إن قوة المجتمع على ما بها من فوائد فإنها تضر الفرد وتلحق به أذىً كثيرا؛ لأنها تسيطر على عقله وتمنعه استقلالية الرأي والاجتهاد في الفكر.
انظر إلينا الآن ونحن نعيش في مدينة القاهرة الكبرى، وستجد أننا قوالب مُستَنْسَخَة من بعضها !! وإنما نحن مقلدون، نقلد غيرنا من حيث لا ندري ولا نشعر..
والتفكير المستقل رغم كل ذلك ليس مستحيلاً لمن يأخذ به نفسه ويعتمده منهج حياة ويُصِرُّ عليه دافِعًا عن نفسه كل الآراء التي تلقاها من الأسرة والشارع والإعلام والشيوخ الذين هم بشر يخطئون مثلنا ويصيبون.
إن التفكير المستقل بالفعل من أشق الأعمال كما قال الفيلسوف الإنجليزي الذي صَدَّرنا المقالة بعبارته الحكيمة، وهو أكثر مشقة في جانب ما اكتسبناه من آراء الناس؛ غير أن التقدم مَنُوط باستقلالية الرأي وحرية الاستنباط في تفكير كل فرد من أفراد مجتمعنا المسكين الذي لابد له أن ينهض..