رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

قراءة من منظور الإدارة الاستراتيجية

لا تُقاس قوة الحكومات بطول فترة بقائها، وإنما بقدرتها على التكيف مع المتغيرات وتحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن. وفي علم الإدارة الاستراتيجية، عندما تتراجع مؤشرات الأداء رغم استمرار السياسات ذاتها، فإن أول ما يُراجع ليس الأهداف، بل الفريق التنفيذي المسؤول عن تنفيذها.

ومن منظور الإدارة الاستراتيجية، فإن الحكومات – كغيرها من المؤسسات الكبرى – تمر بدورات من التجديد والتطوير. فقد تنجح القيادة التنفيذية في مرحلة معينة، لكنها قد تصبح أقل قدرة على التعامل مع مرحلة جديدة تختلف في طبيعة تحدياتها. فالإدارة ليست المحافظة على الوضع القائم، بل القدرة على استشراف المستقبل، وإعادة صياغة الأولويات، واتخاذ قرارات استباقية تسبق الأزمات بدلاً من الاكتفاء بإدارتها بعد وقوعها. لذلك، فإن تقييم الحكومات يجب أن يستند إلى مؤشرات الأداء والنتائج، لا إلى مدة بقائها في مواقعها.

واليوم، تقف مصر أمام مرحلة اقتصادية تُعد من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخها الحديث، في ظل ضغوط اقتصادية عالمية، ومتغيرات إقليمية، وتحديات داخلية متراكمة. وفي مثل هذه الظروف، يصبح من المشروع طرح سؤال بعيدًا عن المزايدات السياسية: هل ما زالت الحكومة الحالية، برئاسة الدكتور مصطفى مدبولي، تمتلك الأدوات والرؤى اللازمة لقيادة المرحلة المقبلة بكفاءة؟

إن طرح هذا السؤال لا يستهدف الأشخاص، وإنما يستهدف الأداء. ففي الإدارة الحديثة، لا توجد قيادة فوق التقييم، ولا مؤسسة فوق المراجعة، لأن نجاح المؤسسات يقاس بنتائجها لا بنواياها.

خلال السنوات الأخيرة، تحمل المواطن المصري أعباءً اقتصادية متزايدة نتيجة سلسلة من الإجراءات والإصلاحات المالية، بينما لا يزال كثير من المواطنين ينتظرون انعكاسًا ملموسًا لهذه التضحيات على مستوى المعيشة، وفرص العمل، والقوة الشرائية، وتحسن جودة الحياة. ولا يختلف اثنان على أن الإصلاح الاقتصادي قد يتطلب قرارات صعبة، لكن نجاح تلك القرارات لا يُقاس بحجم التضحيات وحده، وإنما بقدرتها على تحقيق نمو اقتصادي مستدام يشعر المواطن بعوائده.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الأزمة، وإنما في طبيعة الاستجابة لها. فالدول التي نجحت في تجاوز أزمات اقتصادية عميقة لم تعتمد فقط على الإجراءات المالية أو زيادة الإيرادات العامة، بل اعتمدت على حلول ابتكارية خلقت مصادر جديدة للنمو من خلال دعم الصناعة، وتعزيز الإنتاج، وجذب الاستثمار، وتمكين القطاع الخاص، والاستثمار في التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني.

وفي علم الإدارة، هناك فرق جوهري بين إدارة الأزمات والإدارة الاستراتيجية. فإدارة الأزمات تهدف إلى تقليل الخسائر والتعامل مع الواقع القائم، بينما تهدف الإدارة الاستراتيجية إلى صناعة مستقبل مختلف عبر رؤية واضحة، وأهداف قابلة للقياس، ومؤشرات أداء، وخطط تنفيذية مرنة تستجيب للمتغيرات. وعندما تستمر أي مؤسسة في استخدام الأدوات نفسها رغم تغير البيئة المحيطة، فإنها غالبًا ما تحصل على النتائج نفسها، مهما كانت كفاءة القائمين عليها.

ومن هنا، يلاحظ كثير من المراقبين أن السياسات الاقتصادية خلال السنوات الأخيرة ركزت بدرجة كبيرة على معالجة الاختلالات المالية من خلال إجراءات انعكس أثرها المباشر على المواطنين، سواء عبر زيادة الرسوم أو الضرائب أو تقليص بعض أوجه الدعم أو غيرها من السياسات التي رفعت تكلفة المعيشة. ورغم أن إدارة المالية العامة تفرض أحيانًا مثل هذه الإجراءات، فإن استمرار الاعتماد عليها دون توسع ملموس في خلق مصادر جديدة ومستدامة للدخل القومي قد يؤدي إلى تراجع الثقة في قدرة النموذج الاقتصادي الحالي على تحقيق التنمية المنشودة.

إن الاقتصاد القوي لا يُبنى فقط على تعظيم الإيرادات، وإنما على تعظيم القيمة المضافة. والحكومة الناجحة ليست تلك التي تبحث باستمرار عن موارد إضافية من المواطن، وإنما التي تخلق بيئة اقتصادية توسع قاعدة الإنتاج، وتزيد الصادرات، وتجذب الاستثمارات، وترفع إنتاجية رأس المال البشري، وتفتح أسواقًا وفرصًا جديدة للنمو.

كما أن أحد أهم مؤشرات نجاح أي حكومة هو مستوى الثقة بينها وبين المواطنين. فالثقة ليست شعارًا سياسيًا، بل أصلًا من أصول الإدارة العامة الحديثة، لأنها تمثل رأس المال الاجتماعي الذي تعتمد عليه الدول في تنفيذ سياساتها. وكلما شعر المواطن بأن الحكومة تمتلك رؤية واضحة، وتتواصل معه بشفافية، وتوزع أعباء الإصلاح بعدالة، وتقدم حلولًا مبتكرة بدلاً من الحلول التقليدية، ازدادت قدرته على دعمها وتحمل التحديات. أما عندما تتسع الفجوة بين التوقعات والنتائج، فإن مستوى الثقة يتراجع، ويصبح تنفيذ أي إصلاح أكثر صعوبة مهما كانت مبرراته.

ومن منظور التخطيط الاستراتيجي، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المؤسسات ليس الأزمة نفسها، بل الجمود الاستراتيجي؛ أي الاستمرار في إدارة واقع متغير بعقلية ثابتة. فالتخطيط الاستراتيجي ليس وثيقة تُكتب، وإنما عملية مستمرة لإعادة تقييم البيئة الداخلية والخارجية، ومراجعة الأولويات، وقياس الأداء، وتصحيح المسار. وكلما تأخر اتخاذ قرارات التجديد، ارتفعت تكلفة الإصلاح لاحقًا.

إن مصر تمتلك من المقومات ما يجعلها قادرة على تحقيق معدلات نمو أعلى بكثير مما تحققه اليوم؛ فهي تمتلك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وسوقًا ضخمة، وبنية تحتية تطورت بصورة كبيرة، وموارد بشرية قادرة على المنافسة. لكن هذه المقومات تحتاج إلى إدارة تنفيذية تحول الإمكانات إلى نتائج، والرؤية إلى سياسات، والاستثمارات إلى قيمة اقتصادية يشعر بها المواطن.

ومن واقع الخبرة في الإدارة والتخطيط الاستراتيجي، فإن تغيير الحكومة لا ينبغي أن يكون مجرد تغيير للأشخاص، بل تغييرًا في فلسفة الإدارة ذاتها. فالدولة تحتاج إلى حكومة تعمل بمنهجية مؤسسية تعتمد على التخطيط بالسيناريوهات، وإدارة المخاطر، والحوكمة، وقياس الأداء، وصنع القرار المبني على البيانا

كاتب المقال 
أستاذ الإدارة الاستراتيجية واستشارى التطوير  المؤسسى