رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

نبض الكلمات



ليس كل نزيف يُرى، وليس كل انكسار يترك أثرًا على الوجوه، هناك جراحٌ تتقن الاختباء، وأرواحٌ تمارس طقوس الصمود حتى يظنها الناس من حديد، بينما هي في الحقيقة تتفتت بصمتٍ لا يسمعه أحد..لقد أصبح الإنسان في هذا الزمن بارعًا في ارتداء الأقنعة. يضحك وهو مثقل بالهموم، ويصافح الآخرين بينما قلبه يتهاوى من الداخل، ويكرر عبارة "أنا بخير" وهو يختنق بآلاف الكلمات التي لم يجد أذنًا تنصت إليها، صار الألم شأنا خاصا، والصراخ ترفًا لا يملكه المنهكون، حتى تحولت الحياة إلى مسرح كبير يؤدي فيه الجميع أدوار السعادة، بينما الستار يخفي مآسي لا تُحصى.
نعيش عصرًا تتسارع فيه الخطوات، لكن تتباطأ فيه القلوب، أصبح الإنسان خبرا عابرا، وصارت المأساة لا تعيش أكثر من دقائق قبل أن تبتلعها موجة جديدة من الأخبار والصور والترندات، أما أصحاب الوجع الحقيقي، فيبقون وحدهم، يحملون أحزانهم كما يحمل المسافر حقيبة أثقل من قدرته على الاحتمال.
كم من أبٍ يبتلع دموعه حتى لا يرى أطفاله خوفه؟ وكم من أمٍ تخبئ انكسارها خلف ابتسامة مصطنعة؟ وكم من شابٍ يبتسم للناس، بينما يقف كل ليلة على حافة اليأس، يصارع أفكاره في صمت؟ وكم من مسنٍ يجلس أمام باب منزله، لا ينتظر سوى طَرْقَةٍ تعيد إليه شعوره بأنه ما زال حاضرًا في ذاكرة أحد؟..إن أكثر ما يوجع ليس قسوة الأيام وحدها، بل اعتياد الناس على الألم حتى أصبحوا يمرون بجوار المكسورين وكأن شيئًا لم يكن. لم يعد السؤال عن الأحوال عادة، ولم تعد المواساة قيمة راسخة كما كانت، وكأن الرحمة نفسها أصبحت تبحث عمن يؤمن بها.
وحين يفقد المجتمع قدرته على الإصغاء، لا يخسر مجرد كلمات، بل يخسر إنسانيته. فالأوطان لا تبنى بالحجارة وحدها، وإنما تبنى بقلوب تعرف معنى التعاطف، وبأيدٍ تمتد قبل أن يسقط الإنسان، وبضمائر تدرك أن الكلمة الطيبة قد تنقذ روحًا كانت توشك على الانطفاء...لسنا بحاجة إلى مزيد من الضجيج،  بل إلى مزيد من الرحمة ،بحاجة إلى أن ننظر في وجوه الناس قبل أن نصدر أحكامنا، وأن نتذكر أن خلف كل ابتسامة قد تختبئ معركة لا نعرف عنها شيئًا، وخلف كل صمت قد يقيم وجعٌ لو نطق لزلزل القلوب ، فالوجع الصامت ليس ضعفًا ، بل صرخة مؤجلة ،وحين يعجز الإنسان عن البوح، يصبح الصمت مقبرةً للأحلام، وسجنا للأمنيات، ورفيقًا دائمًا لقلوب أنهكها الانتظار.
إن أخطر ما يمكن أن يصيب مجتمعًا ليس كثرة الأزمات، بل أن يفقد القدرة على الإحساس بآلام أبنائه، وعندما يصبح الإنسان وحيدًا وسط الزحام، غريبًا بين أهله، ومجهولًا رغم آلاف الوجوه التي يلقاها كل يوم... فاعلم أن الوجع لم يعد حكاية فرد، بل أصبح مرآةً لخللٍ إنساني يستحق أن نتوقف أمامه طويلًا.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام إتحاد المرأة الوفديه 
[email protected]