كلما ازدادت الشفافية، انخفضت مساحة الشائعات، وارتفعت ثقة المواطنين في مؤسساتهم .. إنها ليست مجرد عبارة إنشائية، وإنما معادلة أثبتتها تجارب الدول الناجحة، حتى أصبحت الشفافية إحدى أهم ركائز الحكم الرشيد والإدارة الحديثة. فالمواطن لا ينتظر من دولته أن تكشف أسرارها، وإنما يتطلع إلى أن تقدم له من المعلومات ما يكفي لفهم القرارات التي تمس حياته، وأن يجد إجابات واضحة عن الأسئلة المشروعة التي تدور في ذهنه. وحين تتوافر المعلومة الصحيحة في الوقت المناسب، يتراجع التخمين، ويحل اليقين محل التأويل، وتترسخ الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
والشفافية ليست شعارا ً إعلاميا ً
ولا أداة لتحسين الصورة أمام الرأي العام، وإنما هي ثقافة في إدارة الدولة، تقوم على احترام عقل المواطن، والإيمان بأن المعرفة الصحيحة هي الطريق الأقصر إلى الثقة. فالسؤال المسؤول ليس اتهاما ً، والإجابة الواضحة ليست تبريرا ً، وإنما كلاهما جزء من العلاقة الطبيعية بين الدولة والمجتمع في أي دولة حديثة.
غير أن الشفافية لا تعني أن تكشف الدولة أسرارها، كما أن السرية لا تعني أن تحجب المعلومات .. فهناك فرق كبير بين ما يجب أن يبقى سرا ً حمايةً للأمن القومي والمصالح العليا للدولة، وبين ما ينبغي أن يكون معلوما ً للمواطن لأنه يتعلق بالشأن العام، والدولة الحكيمة هي التي تعرف متى تصمت حفاظا ة على أمنها، ومتى تتحدث تعزيزا ً لثقة شعبها. فليس كل ما يُحجب سرا ً، كما أن ليس كل ما يُنشر ينبغي أن يُنشر، وإنما المعيار هو أن تُدار المعلومة بما يحمي المصلحة العامة، ويصون أمن الدولة، ويحترم في الوقت نفسه حق المجتمع في المعرفة.
ولعل أخطر ما تتركه فجوة المعلومات ليس غياب المعرفة، وإنما امتلاؤها بالشائعات. فالفراغ لا يبقى فراغا ً طويلا ً؛ فإذا لم تملأه الحقيقة، ملأته التأويلات، وإذا تأخرت المعلومة الصحيحة، سبقتها روايات متضاربة، لكل منها من يروج لها ويصدقها. فالشائعة لا تنتصر بقوة أصحابها، وإنما بضعف المعلومة الصحيحة أو تأخرها.
إن الشفافية لا تحمي المواطن وحده، بل تحمي الدولة أيضا ً. فالدولة التي تشرح قراراتها، وتوضح مبرراتها، وتقدم المعلومات الصحيحة في توقيتها المناسب، تقلل فرص إساءة الفهم، وتغلق الأبواب أمام من يتعمدون استغلال غياب المعلومات لإثارة البلبلة أو نشر الشائعات.
ومن هنا تصبح الشفافية وسيلة لحماية الاستقرار، لا مجرد حق من حقوق المعرفة.
ولعل أعظم ما تمتلكه الدول ليس ما في خزائنها من أموال، ولا ما تملكه من موارد، وإنما ما تتمتع به من رصيد الثقة لدى مواطنيها .. فهذا هو رأس المال المعنوي للدولة، وهو الذي يمنحها القدرة على تجاوز الأزمات، ويجعل المجتمع أكثر استعدادا ً لتحمل التحديات، وأكثر اقتناعا ً بجدوى القرارات الصعبة عندما يدرك أسبابها وأهدافها.
غير أن هذا الرصيد لا يُبنى بقرار، ولا يتحقق بخطاب، ولا تصنعه حملة إعلامية، وإنما يتشكل عبر سنوات من الصدق والوضوح والالتزام .. فكل معلومة صحيحة تُعلن في وقتها تضيف لبنة جديدة إلى جدار الثقة، وكل غموض غير مبرر يترك فراغا ً قد تملؤه الشائعات.
فالثقة لا تنهار فجأة، وإنما تتآكل بالتراكم، كما أنها لا تُبنى بخطاب واحد، وإنما تُبنى أيضًا بالتراكم. فالشك لا يولد كبيرا ً، بل يبدأ بأسئلة صغيرة لا تجد إجاباتها في الوقت المناسب، ثم ينمو شيئا ً فشيئا ً حتى يصبح تصحيح الانطباعات أصعب بكثير من منع تكوّنها منذ البداية.
ولهذا فإن الشفافية ليست إجراءً يُلجأ إليه عند الأزمات، ولا استجابة لضغط، وإنما هي نهج مستمر في إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع، إنها استثمار طويل الأجل في بناء الثقة، والثقة بدورها هي أحد أهم عناصر قوة الدولة واستقرارها. فالدول لا تُبنى بالقوانين والمؤسسات وحدها، وإنما تُبنى أيضًا بما يربطها بشعوبها من مصداقية واحترام متبادل.
إن الدولة القوية لا تخشى الحقيقة، ولا تقلق من السؤال، لأنها تدرك أن الثقة لا تُفرض بالسلطة، وإنما تُبنى بالمصداقية .. والمصداقية تبدأ من معلومة صحيحة، تُقدَّم في الوقت المناسب، وبالقدر المناسب، من المصدر المناسب، وحين تصبح الإجابة أقوى من الجدل، تتحول الشفافية من قيمة إدارية إلى ثقافة وطنية، ومن إجراء حكومي إلى جسر دائم من الثقة بين الدولة ومواطنيها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض