جميلة الجميلات الملكة نفرتيتي شعار المنيا..
"نفرتيتي" .. أسطورة من حجر وسرٌّ حبا في أفق «آتون»
ثمة وجوهٍ لا تُحاكِكُ الزمان، بل تصنعه، ووجه الملكة «نفرتيتي» كان إشارةَ البدء لجمالٍ سرمدِيٍّ عصيٍّ على المحو؛ جمالٍ صاغته يدُ النحات المبدع «تحتمس» قبل آلاف السنين، ليبقى حياً يشرق بالنبل، ويشعّ بالأنوثة والعظمة.
في هذا التمثال النصفي البديع، الذي ينهض بارتفاع سبعة وأربعين سنتيمتراً ويزن زهاء عشرين كيلوجراماً من الحجر الجيري المغطى بالجص، تتجسد ملحمة ساحرة تختزل ملامح عصر «العمارنة»؛ ذلك العصر الذي تمرد على الجمود والرمزية، وانحاز لواقعية الخطوط وانسيابيتها، ولرقة الملامح وعذوبتها.
تعتلي رأسَ الملكة تاج أزرق مَهيب، يلتف حوله شريطٌ الملامحِ ملون يستقر على قاعدة ذهبية؛ وفي مقدمته على الجبين، كان يربض ثعبان «الكوبرا» المقدس، رمز الملكية والسلطان، والذي رغم سقوطه وغيابه، لا تزال بصمته المفرغة تُذكّر بعرشٍ تليد. أما الوجه، فمزيج عبقري من الأصفر الوردي الذي يُحاكي دفء البشرة الإنسانية، وحاجبان خُطا بسوادٍ أبنوسيٍّ حاد، وشفتان بديعتان تُطلان برقةٍ وغضاضة باللون الأحمر.
لكنّ السحر الحقيقي يكمن في نظرة «نفرتيتي»؛ بعينٍ يمنى حية مطعمة بالكوارتز الأسود والمثبت بشمع العسل على خلفية من الحجر الجيري، وعينٍ يسرى غائرة تفتقر لبطانتها، وكأن الزمان آثر أن يترك فيها لغزاً ناقصاً ليُغذي شغف الحالمين، ويمنحها غموضاً يوازي جلالها.
لم يكن هذا الأثر مجرد قطعة من الفن، بل كان وثيقةً جغرافيةً وروحية.
ففي السادس من ديسمبر عام 1912، وبينما كانت البعثة الألمانية برئاسة عالم المصريات «لودفيج بورخارت» تُنقّب في أطلال «تل العمارنة» بقلب محافظة المنيا تلك البقعة التي اتخذها الملك «إخناتون» عاصمةً جديدة لدعوته التوحيدية وأسماها «أخت آتون» أو «أفق آتون»—عثر الأثريون داخل ورشة النحات «تحتمس» على هذا الكنز الأسطوري.
كانت لحظة الاكتشاف ميلاداً ثانياً لـ «جميلة الجميلات»، لتصبح منذ ذلك الحين أيقونةً بصرية للمنيا وشعاراً يختزل تاريخها، غير أن الحكاية لم تخلُ من مرارة الرحيل؛ إذ غادر التمثال أرض النيل مغدوراً بأساليب التهريب، ليستقر حتى اليوم في ألمانيا رغم النداءات والمطالبات المصرية الحثيثة لاستعادة آلهة الجمال الفرعوني إلى موطنها الأصلي.
تبقى «نفرتيتي» أكثر من مجرد ملكة أو زوجة لملكٍ مجدد؛ إنها قصيدة من الحجر الجيري، وشاهدةٌ على حضارةٍ عرفت كيف تُخلّد أنوثة المرأة وزينتها، لتظل عيناها حتى بجمال العين الواحدة ترنو نحو أفق «آتون» البعيد، تنتظر العودة إلى ديارها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض
