مراجعات
منذ عودته إلى «البيت الأبيض» في يناير 2025، حرص «دونالد ترامب» على تقديم نفسه باعتباره الرئيس «المنقذ»، الذي أعاد لأمريكا هيبتها، وأصلح اقتصادها، وفَرَضَ إرادتها على خصومها، مستثمرًا خطابًا شعبويًّا يخاطب الغرائز السياسية.
وبينما تتسع الفجوة بين «ادعاءاته» و«الواقع الفعلي»، يواصل «ترامب» تسويق صورة الزعيم الذي لا بديل عنه، ولذلك جاء إعلانه مؤخرًا بترشحه لانتخابات الرئاسة عام 2028 ـ قبل أكثر من عامين على انتهاء ولايته ـ كخطوة استباقية واستثنائية من حيث التوقيت والدلالات.
كما يأتي هذا الإعلان في وقت تعاني فيه الولايات المتحدة من مستنقع المواجهة المفتوحة مع إيران، حيث تتزايد فيها كلفتها العسكرية، وتتعرض القوات الأمريكية لخسائر نوعية متلاحقة، دون أن تتمكن من تحقيق أيٍّ من أهدافها المعلنة عند بداية العدوان، أو حتى فرض معادلة ردع مستقرة في المنطقة.
ووفقًا لعقلية «التاجر»، لا بمنطق «السياسي»، بدأ «ترامب» معركته الانتخابية مبكرًا، خصوصًا أنه يسعى دائمًا للبقاء متفردًا في قلب المشهد، واستغلال كل أزمة أو مناسبة لإعادة تلميع صورته النرجسية، بوصفه القائد الأوحد القادر على قيادة أمريكا، حتى وإن كان ذلك على حساب الأولويات الوطنية أو أعراف الممارسة السياسية، التي يجهلها تمامًا.
إن «الدستور الأمريكي» ـ بموجب التعديل الثاني والعشرين، في مارس 1947 ـ يقصر شغل منصب الرئاسة على ولايتين فقط، وبالتالي فإن الإعلان المبكر لا يمكن قراءته بمعزل عن شخصية سياسية مغرورة، اعتادت اختبار حدود الممكن، وإرباك خصومها، وفرض أجندتها على المجال العام.
ربما لا يكون الهدف القانوني هو الأهم، بقدر محاولة «ترامب» تثبيت زعامته لـ«الجمهوريين»، وإرسال رسائل للداخل والخارج بأنه لا يزال اللاعب الأول، وأن مستقبل الحزب الجمهوري يجب أن يُبنى حوله، حتى قبل اتضاح نتائج انتخابات التجديد النصفي، التي قد تمنح «الديمقراطيين» فرصة لاستعادة نفوذهم داخل «الكونجرس»، وبالتالي الحدِّ من قدرة البيت الأبيض على تمرير سياساته.
وفي ظل الأحداث المشتعلة في الشرق الأوسط، يراقب الخصوم هذا المشهد برؤية مختلفة، حيث تواصل الصين تمددها الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري بثقة متزايدة، بسبب انشغال واشنطن بجبهات متعددة، بينما تراهن روسيا على استمرار الاستنزاف الأمريكي الذي يمنحها هامشًا كبيرًا لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية، وتقويض نظام الأحادية السائد منذ نهاية الحرب الباردة، ولذلك كلما ازداد انقسام الداخل الأمريكي، ازدادت قدرة بكين وموسكو على توظيف هذا التراجع لصالح مشروعهما في بناء نظام دولي أكثر تعددية.
أخيرًا.. لا يمكن فصل أي انتخابات رئاسية أمريكية عن التأثير الواسع لجماعات الضغط، فالمال السياسي، وشبكات الإعلام، وتحالفات المصالح الاقتصادية، جميعها عناصر فاعلة في «صناعة» الرئيس الأمريكي، ولذلك فإن «اللوبيات» المؤيدة لـ«الكيان الصهيوني» هي أكثر هذه القوى تنظيمًا وتأثيرًا في دوائر صُنع القرار، رغم المنظومة الانتخابية المعقدة، التي تتشابك فيها اعتبارات الاقتصاد، والانقسام المجتمعي، والهجرة، والأمن القومي، والرأي العام.
فصل الخطاب:
يقول الفرنسي «مونتسكيو» أحد فلاسفة عصر التنوير: «كل إنسان يملك سُلطة يميل إلى إساءة استخدامها، حتى يجد حدودًا توقفه».
- دونالد ترامب
- انتخابات الرئاسة الأمريكية 2028
- تعديل الدستور
- انتخابات التجديد النصفي للكونجرس
- اللوبي الصهيوني
- صناعة القرار الأمريكي
- تراجع الهيمنة الأمريكية بالشرق الأوسط
- الدعم الصيني والروسي لإيران
- الضربات الأمريكية والإسرائيلية والرد الإيراني
- مضيق هرمز وباب المندب
- دول الخليج والقواعد الأمريكية
- تنافس الحزبين الجمهوري والديمقراطي
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض