«العدالة ليست انتقامًا».. مؤتمر بنغازي الدولي يربط إصلاح السجون بالمصالحة الوطنية الشاملة
شهدت مدينة بنغازي انطلاق أعمال "المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح"، تحت شعار «مؤسسات الإصلاح... العدالة أساس الإصلاح»، وذلك نائب القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول صدام خليفة حفتر، وبحضور رفيع المستوى جمع قيادات حكومية، ورجال القضاء والنيابة العامة، ونخبة من الأكاديميين وأساتذة القانون الجنائي، إلى جانب ممثلي بعثة الأمم المتحدة، والمجلس الوطني للحريات العامة، والمنظمات الدولية والمحلية، لبحث التحديات الهيكلية للمنظومة العقابية واستحقاقات بناء دولة القانون.
افتُتحت أعمال المؤتمر بكلمة ألقاها المستشار إبراهيم بوشناف، رئيس اللجنة الوطنية لمتابعة أوضاع السجون والسجناء ورئيس المؤتمر، مؤكداً فيها أن اختيار عنوان المؤتمر ليس مجرد شعار، بل هو تجسيد لحقيقة أثبتها التاريخ ومفادها أن السلام الذي لا يستند إلى سيادة القانون يبقى سلاماً هشاً.
وأوضح بوشناف أن التجارب الوطنية أثبتت أن العدالة ليست أداة للانتقام أو لإدامة الخصومات، بل هي الطريق الوحيد الذي يرد الحقوق لأصحابها، ويرمم جراح الضحايا، ويمنح المجتمع القدرة على تجاوز آلام الماضي. وكشف عن رؤية اللجنة—بدعم من القيادة العامة—لتحويل المؤسسات العقابية في ليبيا من أماكن لتنفيذ العقوبات المجردة إلى مؤسسات لحماية الكرامة الإنسانية وإعادة التأهيل والدمج المجتمعي، مشدداً على أن "احترام حقوق النزلاء ليس رفاهية قانونية بل هو مقياس لتحضر الدول، ولا استقرار ولا استثمار بلا قضاء مستقل وسيادة للقانون".
3 أولويات لإصلاح العدالة والسجون
من جانبها، استهلت ممثلة بعثة الأمم المتحدة والدولية كلمتها بتأكيد محوري مفاده أن طريقة معاملة أي دولة للمحرومين من حريتهم هي المقياس الأساسي لمدى التزامها بسيادة القانون وحقوق الإنسان، مستشهدة بمقولة الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا: "لا أحد يعرف أمة بحق حتى يدخل سجونها، ولا ينبغي الحكم على أمة من خلال كيفية معاملتها لأعلى مواطنيها شأناً، بل أولئك الذين هم في أدنى مستوياتها".
وأوضحت البعثة أن التقارير الميدانية الواردة بشأن ظروف الاحتجاز والاكتظاظ والاحتجاز التعسفي تستدعي تحركاً عاجلاً، مشيرة إلى استطلاع رأي أجرته الأمم المتحدة بمشاركة نحو 6,000 مواطن ليبي أظهر أن 74% يطالبون بالمراجعة القضائية الفورية للمحتجزين. وحصرت البعثة أولويات الإصلاح في ثلاثة محاور:
1. وحدة واستقلالية القضاء الليبي: والتنفيذ الفوري لأحكام الإفراج والبراءة دون تدخل.
2. إنهاء الاحتجاز التعسفي: وإخضاع مراكز الاحتجاز (المدنية والعسكرية ومراكز الهجرة) للرقابة القضائية والإدارية الفعالة.
3. ترسيخ الشفافية والمساءلة: عبر فتح تحقيقات محايدة في ادعاءات الانتهاكات وإشراك أسر الضحايا والمجتمع المدني في صياغة الإصلاحات.
الرقابة الوطنية والحقوقية: قوة العدالة تُقاس بحماية الإنسان
ومن جانبها أكدت اللواء نعيمة العريبي عضو المجلس الوطني للحريات العامة وحقوق الإنسان أن بناء دولة القانون لا يستقيم إلا بعدالة تحمي الحقوق وتصون الكرامة، موضحة أن القانون لا يُقاس بنصوصه الصارمة، بل بقدر ما يحققه من إنصاف وتعزيز لثقة المجتمع.
وأكدت العريبي أن متابعة أوضاع مؤسسات الإصلاح والتأهيل تأتي في مقدمة أولويات المجلس المنشأ بموجب القانون رقم (5) لسنة 2011، مشيرة إلى استمرار الزيارات الميدانية للتفتيش وتقييم الخدمات المقدمة للنزلاء.
وأضافت أن الرقابة الوطنية المستقلة ليست عائقاً أمام عمل الأجهزة الأمنية، بل هي وسيلة للشراكة والوقاية من الانتهاكات، مؤكدة التزام المجلس بتطبيق المعايير الدولية وفي مقدمتها "قواعد نيلسون مانديلا" و"قواعد بانكوك".
التكامل والأمن أساس التنمية
وفي سياق متصل، أكد الدكتور عبد الهادي الحويج، وزير الخارجية والتعاون الدولي بالحكومة الليبية، أن تطبيق القانون وحماية حقوق الإنسان لا يمكن أن يترسخا إلا في بيئة أمنية مستقرة، مثمناً جهود استعادة الأمن التي أتاحت للمؤسسات الوطنية ممارسة مهامها. وأشار الحويج إلى حرص الدولة على متابعة حقوق المواطنين في الداخل والخارج، مشيداً بالجهود التي أثمرت مؤخراً عن استعادة عدد من الشباب الليبيين الذين صدرت بحقهم أحكام في إيطاليا وعودتهم سالمين لأرض الوطن.
بدوره، شدد محمود الفراسي رئيس مفوضية المجتمع المدني، على أن العدالة والإصلاح مسؤولية وطنية تتعدى نطاق الأجهزة القضائية لتشمل الشراكة التكاملية مع مؤسسات المجتمع المدني كافة، معرباً عن جاهزية المفوضية لدعم المبادرات الوطنية الهادفة لتعزيز التسامح وإعادة التأهيل.
الفجوة بين النصوص والواقع الميداني
شهدت الجلسات العلمية أوراقاً وقراءات قانونية معمقة؛ حيث أدار الجلسة الدكتور أحمد الجهاني، بروفيسور القانون الجنائي وممثل ليبيا لدى محكمة الجنايات الدولية، الذي حذر من الاكتفاء بالتوصيات النظرية، مشيراً إلى أن المادة (144) من قانون العقوبات الليبي لسنة 1953 أقرّت منذ أكثر من سبعة عقود فلسفة العقوبة القائمة على "الإصلاح والردع والتأهيل"، إلا أن ضعف البنية التحتية والظروف العملية حوّلا الفلسفة العقابية لدى البعض إلى مجرد عقاب انتقامي.
من جانبه، قدم الأستاذ الدكتور الهادي بوحمرة، أستاذ القانون بكلية القانون جامعة طرابلس، ورقة استقصائية تشخيصية حذر فيها من وصول السجون الليبية إلى مرحلة "العجز المؤسسي"، المتمثل في عجز المؤسسة العقابية تماماً عن احترام الحد الأدنى للقواعد الإنسانية. واستعرض بوحمرة المعايير العلمية الدولية التي تؤكد أن تجاوز نسبة التكدس 120% يستوجب التدخل العاجل، بينما وصولها إلى 150% يُسقط الصفة الدستورية عن المؤسسة لتصبح بيئة خصبة للمعاملة اللاإنسانية (مشيراً إلى تسجيل تقارير المرصد الدولي لسجون ليبيا نسبة اكتظاظ 141.6%). كما استشهد بسابقة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي اعتبرت تخصيص أقل من 3 أمتار مربعة للنزيل قرينة على المعاملة اللاإنسانية، داعياً المشرع الجنائي للتوجه نحو "البدائل العقابية" منعاً لتحول السجون إلى "مدارس لإنتاج الجريمة".
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض