مؤتمر بنغازي للعدالة والإصلاح يفتح ملف المنظومة العقابية ويحذر من "العجز المؤسسي" للسجون
أكدت ممثلة البعثة الأممية أن معاملة المحتجزين تعد المقياس الحقيقي لمدى التزام أي دولة بسيادة القانون وحقوق الإنسان، مستشهدة بمقولة الزعيم نيلسون مانديلا حول ضرورة تقييم الأمم بناءً على وضع سجونها. وأوضحت البعثة الأممية أن التقارير الواردة بخصوص ظروف الاحتجاز في ليبيا – بما فيها الاحتجاز التعسفي، الاكتظاظ، وغياب الرعاية الصحية – تستدعي تحركاً عاجلاً، مشيرة إلى أن استطلاعاً أممياً أظهر أن أكثر من 73% من الليبيين يطالبون بإنهاء سلب الحرية التعسفي وإجراء إصلاحات قضائية فورية.
جاء ذلك خلال انطلاق أعمال "مؤتمر بنغازي الدولي الأول حول العدالة والإصلاح" ، بمشاركة واسعة رفيعة المستوى تضم ممثلي بعثة الأمم المتحدة، وأعضاء من الهيئات القضائية والنيابة العامة، ونخبة من الأكاديميين وأساتذة القانون الجنائي، إلى جانب ممثلي المجتمع المدني والمنظمات الدولية، لمناقشة التحديات الهيكلية الممتدة التي تواجه نظام الاحتجاز والمنظومة العقابية في ليبيا.
أوضحت المتحدثة الأممية أن المبادئ المستقرة في قلب حقوق الإنسان وسيادة القانون تؤكد أن الطريقة التي تعامل بها أي دولة السجناء والمحرومين من حريتهم تشكل المقياس الأساسي لمدى التزامها الفعلي بسيادة القانون. واستشهدت في هذا الصدد بمقولة الزعيم الأفريقي الراحل نيلسون مانديلا:
"لا أحد يعرف أمة بحق حتى يدخل سجونها، ولا ينبغي الحكم على أمة من خلال كيفية معاملتها لأعلى مواطنيها شأناً، بل أولئك الذين هم في أدنى مستوياتها".
شددت البعثة على أن انعقاد المؤتمر يأتي في وقت يحمل أهمية وإلحاحاً بالغين، نظراً لاستمرار تدفق تقارير نعتبرها مثيرة للقلق العميق من مختلف المناطق الليبية بخصوص:
ممارسات الاحتجاز التعسفي والحرمان من إجراءات المحاكمة العادلة.
وقائع الاختفاء القسري، التعذيب، وسوء المعاملة، وحالات الوفاة أثناء الاحتجاز.
الحرمان من الرعاية الطبية، والظروف غير الإنسانية والمكتظة، والاحتجاز في مراكز غير رسمية.
ولفتت البعثة إلى أن هذه الانتهاكات تمس الليبيين وغير الليبيين، مع مواجهة المهاجرين لمخاطر متزايدة وخاصة في مراكز مكافحة الهجرة غير الشرعية. وأشارت إلى أن خلف كل رقم أو تقرير شخصية حقيقية وعائلة تعيش تحت وطأة الشك والألم، مما يقوض الثقة العامة في المنظومة القضائية وسيادة القانون.
كما كشفت البعثة عن نتائج استطلاع رأي أجرته الأمم المتحدة أواخر عام 2023 شمل نحو 6,000 مواطن ليبي، حيث أيدت أغلبية قاطعة بلغت 74% المراجعة القضائية الفورية للمحتجزين، فيما طالب 73% بإنهاء سلب الحرية التعسفي وتحقيق المساءلة عبر محاكمات عادلة.
الأولويات الثلاث لإصلاح العدالة في ليبيا
رحبت الأمم المتحدة بجهود اللجنة المعنية بمتابعة أوضاع السجناء والمؤسسات الإصلاحية المُشكلة من قبل مجلس النواب في بنغازي، مؤكدة على أهمية العمل المحايد والشفاف وإمكانية الوصول لجميع أماكن الاحتجاز. وطرحت البعثة ثلاث أولويات رئيسية للنقاش:
1. وحدة واستقلالية القضاء الليبي: باعتبار القضاء الموحد والمستقل الركيزة الأولى لسيادة القانون. وأكدت أن الانقسام القضائي يخلق وصولاً غير متكافئ للعدالة، مشددة على وجوب التنفيذ الفوري وغير المشروط للأحكام والقرارات القضائية وأوامر الإفراج والبراءة.
2. إنهاء الاحتجاز التعسفي والمعاملة الإنسانية: عبر إخضاع كافة مراكز الاحتجاز (المدنية والعسكرية ومراكز الهجرة) للرقابة القضائية والإدارية الفعالة، وحظر الاحتجاز لأجل غير مسمى أو في مراكز غير رسمية، مع توفير حماية خاصة للنساء والأطفال والمهاجرين.
3. التأسيس على المساءلة والشفافية والمشاركة: فتح تحقيقات فورية ومحايدة في ادعاءات التعذيب والاختفاء القسري، وإشراك القضاة والمدعين العامين والمحامين ومسؤولي السجون والمجتمع المدني وأسر الضحايا في صياغة الإصلاحات.
الفجوة بين النص التشريعي والواقع الميداني
أدار الجلسة العلمية الدكتور أحمد الجهاني، بروفيسور القانون الجنائي وممثل ليبيا لدى محكمة الجنايات الدولية.
وافتتح كلمته ببدء الجلسة عقب الانقطاع الطارئ، محذراً من تكرار تجارب مؤتمرات سابقة عقدت لسنوات دون تحقيق استفادة ملموسة، ومطالباً القائمين على المؤتمر بالاستفادة من أوراق العمل والتوصيات لتطبيقها واقعياً.
وأكد د. الجهاني أن "العدالة والإصلاح" أزمة عالمية متجددة لدى كافة الأنظمة الجنائية. واستعرض التأصيل التاريخي للتشريعات الليبية، مبيناً أن المادة (144) من قانون العقوبات الليبي الصادر عام 1953 (والمقتبس من قانون "روكو" الإيطالي لعام 1930) نصت صراحة على أن الغاية الأساسية للعقوبة هي الإصلاح، والردع، وإعادة التأهيل ليعود الفرد صالحاً للمجتمع.
ولفت رئيس الجلسة إلى أن الخلل الرئيسي يكمن في أن البنية التحتية والظروف العملية للسجون الليبية - فضلاً عن العقليات القائمة عليها - لم تستطع تفعيل هذه الوظيفة التربوية والإصلاحية النصية منذ عام 1953، مما أدى في حالات عدة إلى تحويل العقوبة من فلسفة تأهيل وإصلاح إلى مجرد عقاب انتقامي.
ثالثاً: الورقة العلمية لـ أ.د. الهادي بوحمرة.. تشخيص أزمة "العجز المؤسسي" والسجون
قدم الأستاذ الدكتور الهادي بوحمرة، أستاذ القانون بكلية القانون جامعة طرابلس (وأستاذ قانون سابق بجامعة بنغازي)، ورقة علمية استقصائية بعنوان: "آليات معالجة تجاوز الطاقة الاستيعابية في المؤسسات العقابية".
1. التمييز بين "الاكتظاظ" و"العجز المؤسسي"
فند د. بوحمرة الواقع العقابي موضحاً أن هناك فرقاً قانونياً وحقوقياً بين:
تجاوز الطاقة الاستيعابية (الاكتظاظ المباشر): كأن يستوعب سجن مخصص لـ 500 نزيل نحو 700 نزيل.
العجز المؤسسي (Institutional Failure): وهو الحالة الأكثر خطورة، حيث تكون المؤسسة العقابية عاجزة تماماً عن توفير أو احترام الحد الأدنى لمتطلبات القواعد الإنسانية للنزلاء نتيجة غياب الإمكانيات والمقومات الأساسية.
2. المعايير العلمية لتحديد الطاقة الاستيعابية ومشروعية العقوبة
استعرضت الورقة المعايير الدولية والدستورية لقياس قدرة السجون:
1. معدل إشغال المؤسسة العقابية
المعادلة الرياضية المعتمَدة أممياً (عدد النزلاء ÷ الطاقة الاستيعابية × 100).
نسبة 120% تشير إلى اكتظاظ شديد يتطلب تدخل عاجلاً.
نسبة 150% تُدخل المؤسسة في بيئة خصبة للمعاملة اللاإنسانية والمخالفة للدستور والقانون.
(وأشارت الورقة إلى تقارير المرصد الدولي للسجون التي سجلت نسبة اكتظاظ بلغت 141.6% في السجون الليبية عام 2023، وهي نسبة تعتمد على بيانات قديمة لعام 2007، مما يعني أن الوضع الراهن يفوق هذه الأرقام بكثير).
2. معيار المساحة الفردية للنزيل
استشهد بوحمرة بسابقة المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان ضد إيطاليا، والتي اعتبرت أن توفير مساحة تقل عن 3 أمتار مربعة لكل سجين يعتبر قرينة قاطعة على وقوع معاملة لاإنسانية. وقام المشرع الإيطالي إثر ذلك بتعديل القوانين وإقرار تعويضات وتخفيض مدد العقوبة (تخفيض يوم من العقوبة عن كل 10 أيام يُحجز فيها النزيل في ظروف غير إنسانية).
3. معايير الخدمات والهدف العقابي: مدى قدرة السجن على توفير الغذاء، المياه، التهوية، الإضاءة، والرعاية الصحية، وقدرتها الإدارية على فصل وتصنيف النزلاء الخطِرين عن غيرهم.
3. التكييف الدستوري والجنائي لزيادة الاكتظاظ
شدد د. بوحمرة على أن الاكتظاظ ليس مجرد خلل إداري تنظيمي، بل هو قضية دستورية وجنائية تمس مشروعية تنفيذ العقوبة؛ إذ إن تنفيذ العقوبة في ظروف مكتظة ومزربة يحولها من عقوبة سلب حرية محكوم بها قضائياً إلى "عقوبة مضاعفة تجمع بين سلب الحرية وإهانة الكرامة الإنسانية"، وهي عقوبة غير منصوص عليها في القانون وغير محكوم بها من القضاء.
واختتم تحذيره بالتشديد على مسؤولية المشرع الجنائي، مشيراً إلى أن التوسع التشريعي في سن عقوبات سالبة للحرية دون النظر لمسألة البدائل العقابية المتاحة وإمكانيات المؤسسات الميدانية يُعد خللاً دستورياً صريحاً ينافي روح العدالة، ويحول المؤسسات الإصلاحية إلى "مدارس ومزارع لإنتاج الجريمة" بدلاً من معالجتها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض