السودانيون بين صواريخ الحرب وأنياب النيل
«الدعم السريع» تذبح العطشى ووفاة المئات من مرضى الفشل الكلوى
يزداد المشهد فى السودان الشقيق سوادًا يتحالف فيه تنكيل الحروب مع صرخات الطبيعة الغاضبة لتطبق حصارها على جسد المواطن السودانى المنهك. فبينما تحصد نيران المعارك المستعرة الأرواح وتلتهم الأخضر واليابس، مخلفة وراءها مأساة لجوء ونزوح وحرمان يصعب وصفها، أطلقت الطبيعة صرختها الخاصة؛ فانحسر نهر النيل كأنه ينفض يديه من أوجاع البشر، ليلفظ من جوفه تماسيح جائعة اندفعت نحو اليابسة تبحث عن وطن جديد وفريسة ضعيفة.
وتصاعدت خلال الساعات الماضية غارات ميليشيا الدعم السريع التى تنحر أرواح الأشقاء وسط تجاهل تام من منظمات الإغاثة الدولية واستشهد وأصيب العشرات إثر غارة جوية نفذتها طائرة مسيّرة، استهدفت منطقة أندرو فى محلية الطينة الحدودية بولاية شمال دارفور، قرب الحدود مع تشاد
استهدف الهجوم تجمعًا للمدنيين العطشى فى محيط إحدى آبار مياه الشرب، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، نقل عدد منهم إلى مستشفى حدودى لتلقى العلاج. فيما تسببت الغارة أيضًا فى نفوق عدد من الدواب التى يعتمد عليها سكان المنطقة فى نقل المياه من الآبار إلى منازلهم.
وتشهد محلية الطينة وعدد من القرى التابعة لها هجمات متكررة بطائرات مسيّرة تابعة للدعم السريع، تستهدف مناطق تضم أعدادًا كبيرة من النازحين الذين فروا من مدن فى ولاية شمال دارفور سيطرت عليها القوات خلال فترات سابقة.
وتنتشر فى المنطقة أعداد محدودة من القوات المشتركة المتحالفة مع الجيش السودانى، فى ظل استمرار المعارك والتوترات الأمنية فى إقليم دارفور.
ويواصل الجيش السودانى عمليات تأمين المناطق التى سيطر عليها مؤخرًا فى ولاية شمال كردفان.
يأتى ذلك، فيما اشتدت المعارك فى شمال كردفان فى السودان حيث أعلنت مجموعات متحالفة مع الجيش عن طرد الدعم السريع من مناطق قرب مدينة بارا المحورية بعد يومين من مقتل 15 شخصًا بهجوم جوى للدعم السريع فى الولاية.
وأدت الحرب المستمرة بين الجيش السودانى والدعم السريع إلى نزوح ملايين الأشخاص، وتسببت فى انهيار واسع للقطاع الصحى فى عدد من الولايات، لا سيما فى إقليمى دارفور وكردفان، وسط مطالبات متواصلة من المنظمات الإنسانية بفتح ممرات آمنة لإيصال المساعدات الطبية إلى المتضررين.
واندلعت الحرب بين الجيش وميليشيا الدعم السريع فى أبريل 2023، وأسفرت حتى الآن عن مقتل عشرات الآلاف، وتشريد الملايين فيما تصفها الأمم المتحدة بأنها أكبر أزمة إنسانية فى العالم.
وكشفت منظمتا مناصرة ضحايا دارفور والأمل والملاذ للاجئين عن وفاة نحو 300 مريض بالفشل الكلوى فى إقليم دارفور منذ اندلاع الحرب وحذرتا من تدهور الأوضاع الإنسانية بعد توقف جميع مراكز غسيل الكلى فى الإقليم وانعدام الخدمات العلاجية الأساسية.
وقالت المنظمتان، فى بيان لهما استند إلى مقابلات مع كوادر طبية بمستشفى الضعين التعليمى، إن توقف خدمات غسيل الكلى جاء نتيجة خروج الأجهزة الطبية عن الخدمة، إلى جانب النقص الحاد فى الأدوية والمستهلكات الطبية اللازمة لاستمرار العلاج.
وأشار البيان إلى أن مئات المرضى اضطروا إلى قطع رحلات شاقة تستغرق نحو 15 يومًا للوصول إلى مركز غسيل الكلى بمدينة مروى فى الولاية الشمالية، مرورًا بمدينة الدبة، بعد توقف الخدمة داخل دارفور.
وأكدت المنظمتان أن هذه الرحلات تنطوى على مخاطر كبيرة، موضحتين أن خمسة أشخاص على الأقل لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مراكز العلاج، بسبب الأوضاع الأمنية، وطول المسافات، وارتفاع تكاليف السفر.
وشدد البيان على أن أوضاع مرضى الفشل الكلوى لم تعد تحتمل مزيدًا من التأخير مؤكدًا أن استمرار غياب التدخل الإنسانى سيؤدى إلى فقدان المزيد من الأرواح.
ونشرت الدعم السريع تعزيزات عسكرية حول مدينة الأبيّض عاصمة شمال كردفان، كما رفعت من وتيرة الهجمات الجوية، فيما تحذر الأمم المتحدة ومنظمات إنسانية من هجوم وشيك على غرار الفاشر نهاية العام الماضى والذى قال خبراء الأمم المتحدة إنه حمل سمات الإبادة الجماعية.
وأعرب المبعوث الخاص للاتحاد الدولى لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر إلى السودان، ديرك سيقار عن صدمته من عدم اهتمام المجتمع الدولى بمأساة الحرب رغم حجم المعاناة الإنسانية.
جاءت تصريحات سيقار خلال زيارة ميدانية إلى العاصمة الخرطوم، وأعرب عن صدمته من عدم منح المجتمع الدولى مأساة الحرب فى السودان الاهتمام الذى تستحقه، رغم حجم المعاناة الإنسانية التى تعرض لها المدنيون.
وأكد سيقار أنه سيعمل على نقل الصورة الحقيقية للأوضاع الإنسانية فى السودان إلى العالم، بما يسهم فى تعزيز الدعم المقدم لجهود الاستجابة الإنسانية الطارئة.
وأشار إلى أن ما شاهده فى العاصمة الخرطوم يعكس حجم التحديات الجسيمة التى واجهها السكان المحليون والعاملون فى المجال الإنسانى على حد سواء، جراء الدمار الشامل فى البنية التحتية والخدمات الأساسية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض