الجماعة المحظورة والاستقواء بالخارج.. مسار تاريخي من الارتهان إلى التنظيم الدولي
لم تكن علاقة الجماعات والتنظيمات ذات الأيديولوجيات المغلقة بمد مفهوم الوطنية علاقة توافق أو التزام، بل لطالما ظلت المصالح التنظيمية الضيقة تعلو فوق كل اعتبار قومي.
وفي قراءة تفكيكية لمسار حركة الإخوان، يتكشف للمتابعين والمحللين السياسيين أن إستراتيجية الاستقواء بالخارج لم تكن مجرد مناورة تكتيكية فرضتها ظروف المواجهة أو التغيرات السياسية العارضة، بل كانت عقيدة راسخة ونهجًا ثابتًا أُسست عليه أدبيات الحركة وممارساتها منذ البدايات الأولى.
التاريخ السياسي الحديث يؤكد أن الارتهان لأجندات خارجية وشق الصف الوطني مثّلا الأدوات الإستراتيجية الأساسية التي راهنت عليها الجماعة لتحقيق مكاسبها، حتى وإن كان الثمن المقابل هو الإضرار المباشر بمفاهيم الأمن القومي وسيادة الدولة الوطنية.
الجذور التاريخية:
ومن جانبه، ثروت الخرباوي، المفكر السياسي، أن سياسة الارتهان للقوى الخارجية ضربت بجذورها في العقل التنظيمي للجماعة منذ الحقبة الأولى للتأسيس، فخلال فترة الاحتلال البريطاني لمصر، لم تتوانَ الجماعة عن فتح قنوات تواصل وإبرام تفاهمات مع القوة المحتلة، بهدف إيجاد موطئ قدم سياسي يؤمن لها البقاء والمناورة، حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة الوطنية العليا وتفتيت جهود الحركة الوطنية المصرية المستقلة في ذلك الوقت.
استمر هذا المسار واستفحل خلال مواجهات الجماعة مع السلطة الوطنية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي؛ إذ اتجهت قياداتها إلى الارتماء في أحضان أطراف وقوى إقليمية ودولية كانت على خلاف مع القاهرة، وشكل فرار القادة إلى بعض الدول العربية والغربية ملاذًا آمنًا أتاح للجماعة التقاط الأنفاس، واستغلال المناخ الخارجي لبناء منصات إعلامية وسياسية موجهة ضد الدولة المصرية، مما أسهم في حماية هيكلها التنظيمي الداخلي من التفكك الكامل خلال فترات المواجهة المباشرة.
اختراق الغرب وبناء الشبكات:
مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي، انتقلت الجماعة إلى مرحلة أكثر خطورة بتوسيع نفوذها العابر للحدود، مكثفة من تواجدها في الولايات المتحدة وعدة دول أوروبية.
وتوجت هذه التحركات بتأسيس ما يُعرف بـالتنظيم الدولي، والذي عمل ككيان أعلى ينسق بين فروع الجماعة حول العالم، بالتوازي مع تدشين شبكة معقدة من المؤسسات الاقتصادية والتعليمية والإعلامية التي أُمّنت لتكون غطاءً لنشاطاتها ومصدرًا لاستدامتها المالية والسياسية.
وأكد الخرباوي أن تعاظم دور ونفوذ التنظيم الدولي أدى إلى تحول جوهري في عملية صنع القرار الداخلي؛ حيث أصبحت مصالح الكيان العابر للحدود تقدم بوضوح وجلاء على اعتبارات الأمن القومي المصري والمصلحة الوطنية العليا، وهو ما يبرز أن المحرك الأساسي لبقاء هذا التنظيم واستمراره لم يعد مرتبطة بالداخل أو بالحراك الشعبي، بل ظل دائمًا مرتهنًا بأجندات وتحالفات أجنبية تستغل الجماعة كأداة لتمرير سياساتها في المنطقة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض

