د. عوض الترساوى رئيس مجلس إدارة مؤسسة الترساوى للاستشارات القانونية
القانون الموحد للشركات المملوكة للدولة.. ينهى عصر الفوضى التشريعية
60% تراجعًا فى قضايا التلاعبات
قصة استثنائية نسجت خيوطها الإرادة الصلبة، وصاغت ملامحها أحلام لم تعترف يومًا بحدود المستحيل، رحلة بدأت بخطوات واثقة، وتجاوزت العثرات لتصنع من التحديات جسورًا نحو النجاح، حتى أصبح صاحبها اسمًا يفرض حضوره بين الكبار، وعنوانًا لتجربة ملهمة تستحق أن تروى.. وكذلك محدثى إيمانه أن الحركة تصنع النمو، والاستمرار يصنع الإنجاز.
السعى الدائم نحو الابتكار، ومواكبة المتغيرات، وصناعة الفرص الجديدة، هو السبيل الوحيد للحفاظ على التوازن ومواصلة الصعود وعلى هذا الأساس كانت رحلته منذ الصبا.
الدكتور عوض الترساوى رئيس مجلس إدارة مؤسسة الترساوى للاستشارات القانونية.. منهجه من يتوقف عن التقدم، يبدأ رحلته نحو التراجع، يجمع بين الفكر والخبرة العملية، وهو ما جعله فى قائمة الكبار.
تمتد الشوارع التى تحمل أسماء الدول العربية شاهدة على حقبة المد القومى العربى فى خمسينيات القرن الماضى، شارع سوريا واحد من أكثر شوارع منطقة المهندسين عراقة، وتميزًا. صمِّم ليكون عنوانًا للرقى، ليروى كل زاوية منه حكاية زمن لا يزال حاضرا فى الذاكرة.
وسط هذا الشارع، يظهر مبنى لا تروى جدرانه قصة حجر، بل تحمل بين طياتها إرثًا طويلًا من الفكر والطموح والنجاح.. فى الطابق الثانى عشر، يسود الهدوء وتفرض الجدية حضورها، يمتد ممر طويل ينتهى إلى مدخل يحمل الكثير من أسرار القرارات الكبرى. هناك تتجاور الغرف، لكن تبقى واحدة منها مختلفة تمامًا عن سائر المكان؛ غرفة تُرسم فيها الاستراتيجيات، وتُصنع داخلها القرارات التى لا تقبل هامشًا للخطأ.
ليست مجرد غرفة مكتب، بل مساحة تعكس شخصية صاحبها وتفاصيل رحلته. مكتب واسع تحتضن أدراجه ملفات قانونية واستثمارية تحمل بين صفحاتها سنوات من الخبرة والتجربة، بينما يجمع تصميمه بين البساطة الراقية والانضباط، فوق سطحه، تتراص الملفات بعناية، وإلى جوارها أجندة صغيرة تحمل رؤية عميقة للحياة وإدارة الأحداث، والتزامًا صارما بخريطة يومية لا تعرف العشوائية.
خلف تلك الملفات الورقية، حكاية أكثر ثراءً؛ حكاية رجل نسجت الأيام تفاصيلها منذ سنوات الصبا، وكتبت فصولها بالعزيمة والإصرار والعمل الدؤوب. رحلة لم تكن عادية، بل ملحمة إنسانية ومهنية، صنعت تجربة استثنائية تركت بصمتها فى كل محطة من محطات النجاح.
لا مكان للمجاملات فى قاموسه، ولا مساحة للأحكام المتسرعة. يستند إلى لغة الأرقام والحقائق، ويقرأ المتغيرات بمنهجية قائمة على الفكر العميق والتحليل الموضوعى.. يرى أن المشهد الاقتصادى المصرى لم يشهد تغيرات جوهرية، سواء على المستوى الكلى أو الجزئى، لكنه يسير بخطى مستقرة ومتقدمة، وإن بدت بطيئة للبعض.. يقول إن «الحركة، مهما كان إيقاعها، تبقى أفضل كثيرًا من حالة الثبات، فالثبات هو العدو الحقيقى للاقتصاد، بينما يمثل النمو التدريجى أحد أهم مؤشرات التعافى والاستدامة».
الاقتصاد الوطنى بحسب تفسيره لا يزال بحاجة إلى جهود مضاعفة وإصلاحات أكثر عمقًا، تبدأ أولًا بتغيير الفكر الاقتصادى وتحديد الأولويات بصورة أكثر وضوحًا. ويتوقع أن تشهد عام 2026 نقطة تحول مهمة بالتزامن مع انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى، بما يفتح الباب أمام تبنى رؤية اقتصادية جديدة، أكثر استقلالًا وقدرة على صياغة مسار يتوافق مع احتياجات الاقتصاد المصرى وأهدافه التنموية.
يؤكد أن المرحلة المقبلة يجب أن ترتكز على مجموعة من الأولويات الحاكمة، يأتى فى مقدمتها السيطرة على معدلات التضخم، والتعامل بفاعلية مع ملف الدين العام، وخفض نسبته إلى الناتج المحلى الإجمالى، باعتباره أحد أكبر التحديات التى تستنزف جزءًا معتبرًا من إيرادات الدولة وتحد من قدرتها على توجيه الموارد نحو الاستثمار والتنمية.
أما فيما يتعلق بمعدلات التضخم، فيرى أن مؤشرات الانحسار بدأت تتشكل بالفعل، مدعومة بعدد من الإجراءات والسياسات التى جرى تنفيذها خلال الفترة الماضية، وعلى رأسها الدور المتنامى لجهاز مستقبل مصر فى دعم خطط التنمية، والتوسع فى المشروعات الاستراتيجية ذات الأولوية، خاصة فى القطاعين الزراعى والصناعى، إلى جانب تعظيم دور القطاع الخاص باعتباره الشريك الرئيسى فى تحقيق النمو المستدام وخلق القيمة المضافة للاقتصاد الوطنى.
< كيف ترى تعامل الحكومة مع المتغيرات الخارجية والتحديات الداخلية؟
- بقراءة متأنية وواضحة يجيبنى قائلا إن «الحكومة نجحت، إلى حد كبير، فى اجتياز واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا التى شهدها الاقتصاد العالمى والإقليمى خلال السنوات الأخيرة، وذلك بمواجهة متغيرات خارجية غير مسبوقة، وصراعات عسكرية ألقت بظلالها الثقيلة على اقتصادات المنطقة والعالم، ومع ذلك استطاعت امتصاص جانب كبير من تداعياتها السلبية على الاقتصاد الوطنى».
يتابع أن «أحد أبرز التحديات التى فرضتها تلك التطورات تتمثل فى الارتفاع الحاد لفاتورة الاستيراد، خاصة قطاع البترول والطاقة، وهو ما وضع الحكومة أمام اختبارات حقيقية تتطلب التحرك السريع واتخاذ إجراءات استباقية لحماية الاقتصاد من الصدمات الخارجية وتقليص آثارها المحتملة».
يرى أن ما اتخذته الحكومة من إجراءات وقائية خلال المرحلة الماضية أسهم فى احتواء جزء كبير من تلك التداعيات، وقدرتها على التعامل مع الأزمات بمنهج يقوم على إدارة المخاطر، وليس مجرد ردود الأفعال. فالتحديات لا تزال قائمة، لكن القدرة على التكيف معها، واتخاذ قرارات استباقية، تمثل أحد أهم عناصر الحفاظ على استقرار الاقتصاد الوطنى فى ظل بيئة عالمية لا تزال شديدة التقلب.
التجارب بالنسبة له ليست مجرد محطات زمنية تُضاف إلى سجل الإنجازات، بل مدرسة حقيقية تُصقل فيها العقول، ومن هذا المنطلق، يتعامل مع التحديات الداخلية، وبذات القدر من الوضوح، يرى أن الحكومة لم تحقق المستهدفات المرجوة فى بعض الملفات الاقتصادية المهمة، وعلى رأسها ملف إدارة الدين العام، الذى لم يشهد التقدم المأمول خلال الفترة الماضية. ويؤكد أن تباطؤ تنفيذ خطط تحويل الديون إلى شراكات استثمارية كان أحد الأسباب الرئيسية وراء ذلك، باستثناء صفقة «رأس الحكمة» التى مثلت نموذجًا مختلفًا فى هذا الإطار، بينما كانت التوقعات تشير إلى إمكانية تكرار مثل هذه النماذج بوتيرة أسرع وأكثر اتساعًا.
يرى أن معالجة هذا الملف لا يمكن أن تتم عبر الحلول التقليدية، وإنما من خلال إعادة ترتيب أولويات الاقتصاد الوطنى، وفى مقدمتها التوسع فى التصنيع، وتعزيز الإنتاج الزراعى، والعمل على خفض الفاتورة الاستهلاكية التى تستنزف جزءًا من الموارد الأجنبية للدولة. فالإنتاج، فى فلسفته الاقتصادية، ليس مجرد نشاط اقتصادى، بل هو الضمانة الحقيقية لاستدامة النمو وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.
رغم انتقاداته، فإن رؤيته لا تخلو من التفاؤل، إذ يؤمن بأن المرحلة المقبلة تحمل فرصًا حقيقية لتحقيق تحول اقتصادى أكثر عمقًا، خاصة مع التطبيق الفعلى لبرنامج موازنة البرامج والأداء، وما يرتبط به من مستهدفات تعزز كفاءة الإنفاق العام وترفع من جودة إدارة الموارد وتوجيهها نحو الأولويات التنموية.
بثقة الخبير الذى يدرك أهمية الدور الذى لعبه البنك المركزى فى الحفاظ على استقرار الاقتصاد خلال الفترات الأكثر اضطرابًا، يرى أن السياسة النقدية نجحت فى توظيف أدواتها المختلفة لتحقيق قدر من التوازن والاستقرار، رغم حجم الضغوط الداخلية والخارجية التى واجهها الاقتصاد المصرى.
ويؤكد أن تحقيق ذلك لن يكون ممكنًا إلا من خلال توفير بيئة استثمارية أكثر جاذبية، تتضمن حزمًا تحفيزية حقيقية للاستثمارين المحلى والأجنبى، فالاستثمار، فى رؤيته، لا يبنى الدول بمفرده، لكنه يبنى المشروعات، ويخلق فرص العمل، ويحرك عجلة الإنتاج.
< كيف ترى أداء السياسة المالية.. هل شهد تطورا؟
- على ملامحه ارتسمت علامات ارتياح تعكس قناعته بأن هذا الملف شهد تطورًا ملموسًا خلال السنوات الأخيرة. يقول إن «السياسة المالية فى التحرك وفق منهج أكثر مرونة وواقعية، يستهدف تحقيق التوازن بين تعظيم الإيرادات وتحفيز النشاط الاقتصادى، دون الإخلال بمتطلبات النمو والاستدامة».
يستطرد قائلًا: إن «الإيرادات العامة للدولة تظل فى صدارة أولويات السياسة المالية، باعتبارها الركيزة الأساسية لخفض عجز الموازنة وتعزيز قدرة الدولة على تمويل خططها التنموية».
تحقيق هذا الهدف، من وجهة نظره، لا يرتبط بزيادة الأعباء الضريبية بقدر ما يعتمد على تبنى سياسات أكثر مرونة، تقوم على تذليل العقبات أمام الممولين، وتبسيط الإجراءات، وتحفيز الالتزام الطوعى بالسداد، إلى جانب التوسع فى القاعدة الضريبية وضم شرائح جديدة من الاقتصاد إلى المنظومة الرسمية.
يرى أن السياسة المالية أصبحت أكثر إدراكًا لأهمية تحقيق التوازن بين تعظيم الإيرادات وخلق مناخ جاذب للاستثمار، من خلال تقديم حوافز استثمارية قادرة على توطين الصناعات، وجذب رؤوس الأموال إلى القطاعات الإنتاجية ذات القيمة المضافة، بما يسهم فى تعزيز تنافسية الاقتصاد الوطنى ورفع معدلات التشغيل والنمو.
يشيد بالتوسع فى تنفيذ المشروعات القومية، ليس باعتبارها مجرد مشروعات للبنية التحتية، وإنما بوصفها أدوات فاعلة لخلق كيانات اقتصادية وإنتاجية قادرة على تحقيق عوائد مستدامة، وتعزيز مساهمة القطاعات المختلفة فى الناتج المحلى الإجمالى.. ولا يتوقف الأمر عند أدوات التمويل التقليدية، إذ يؤمن بأهمية تنويع مصادر التمويل والاعتماد على أدوات مالية مبتكرة، يأتى فى مقدمتها الصكوك الإسلامية، التى تمثل أحد المسارات الواعدة لتوفير التمويل طويل الأجل وجذب شرائح جديدة من المستثمرين، فضلًا عن أهميتها فى دعم خطط التنمية الاقتصادية.
عندما تُبنى التجارب العملية على أسس علمية ورؤى واضحة، تصبح أكثر قدرة على صناعة الفارق وتحقيق النتائج المستهدفة.. وبنفس المنهجية، يتناول ملف الاستثمار الأجنبى المباشر، باعتباره أحد أهم الملفات القادرة على إعادة تشكيل خريطة النمو الاقتصادى خلال المرحلة المقبلة، فبلغة الأرقام يشير إلى أن إجمالى تدفقات الاستثمار الأجنبى المباشر على مستوى العالم يبلغ نحو 1.6 تريليون دولار، بينما لا يزال نصيب السوق المصرى من هذه التدفقات محدودًا للغاية، وهو ما يعكس حجم الفرص غير المستغلة، ويؤكد أن الطريق لا يزال طويلًا أمام الاقتصاد الوطنى للحصول على حصة تتناسب مع إمكاناته ومزاياه التنافسية.
ويرى أن المنافسة على جذب الاستثمارات الأجنبية أصبحت أكثر تعقيدًا من أى وقت مضى، فلم تعد ترتبط فقط بتوفير الأراضى أو الحوافز التقليدية، وإنما تتطلب بناء منظومة استثمارية متكاملة، قائمة على الاستقرار التشريعى، وسرعة الإجراءات، ووضوح السياسات الاقتصادية، وتعظيم الاستفادة من المقومات التى يمتلكها الاقتصاد المصرى فى مختلف القطاعات الإنتاجية والخدمية.
وفى جعبة الرجل الكثير من الحكايات والتجارب التى صاغت رؤيته لهذا الملف، فهو يؤمن بأن جذب الاستثمارات لا يتحقق بالشعارات، وإنما من خلال تقديم المزيد من المحفزات الاستثمارية، وتعزيز الدعم الموجه للقطاعات الواعدة، واستثمار المزايا التنافسية التى يتمتع بها السوق المحلى، بما يجعله وجهة أكثر جاذبية لرؤوس الأموال المحلية والأجنبية على حد سواء.
وإذا كانت المسافة بين الإنسان العادى والإنسان العظيم تُقاس بحجم ما يحققه من نجاح وتأثير، فإن نجاح الاقتصادات يُقاس بقدرتها على بناء مؤسسات قوية وقابلة للاستمرار. ومن هذا المنطلق، ينظر إلى إنشاء وحدة الشركات المملوكة للدولة باعتبارها خطوة مهمة على طريق ترسيخ مبادئ الحوكمة وتعزيز كفاءة إدارة الأصول العامة، فضلًا عن كونها إحدى الآليات الداعمة لبرنامج تخارج الدولة وإفساح المجال بصورة أكبر أمام القطاع الخاص للقيام بدوره التنموى.
ويؤكد أن هذه الخطوة من شأنها أن تنعكس إيجابًا على سوق المال المصرى، سواء من خلال زيادة عدد الشركات المؤهلة للقيد والتداول، أو تعزيز مستويات الإفصاح والشفافية، بما يسهم فى تعميق السوق وزيادة جاذبيته للمستثمرين.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ يقترح تبنى رؤية تشريعية أكثر شمولًا عبر استحداث قانون موحد ينظم الشركات المملوكة للدولة، بهدف إنهاء حالة التشابك الناتجة عن تعدد القوانين المنظمة لها، وتبسيط الإجراءات المتعلقة بإعادة هيكلتها وطرحها بالبورصة، بما يضمن سرعة تنفيذ خطط التخارج وتحقيق أعلى استفادة ممكنة من الأصول المملوكة للدولة.
< ماذا عن قضايا تلاعب سوق المال؟
- بدت على ملامحه علامات ارتياح قبل أن يجيبنى قائلا إن «قضايا تلاعبات سوق المال شهدت تراجعا ملموسا فى ظل الإجراءات الرقابية الصارمة، مع التشديد على قواعد الإفصاح، والحوكمة، حيث تراجعت القضايا بنسبة 60%، فى ظل تراجع أيضا عدد المستثمرين العاملين بالبورصة».
العقل القوى دائم الأمل، ولديه دائماً ما يبعث على الأمل، وهو سر تميزه، ونجاحاته المتتالية، فى الشركة التى يحافظ على استمرارها من خلال مستهدفات تتمثل فى التوسع مع تقديم الاستشارات الخاصة بقطاعات الاستثمار العقارى، والأدوية، بالإضافة إلى تقديم استشارات للصناديق الخاصة للعاملين، وكيفية إدارتها لتحقيق أكبر عوائد استثمارية لهذه الصناديق، وكذلك تطبيقات عقود البرمجيات والذكاء الاصطناعى، والأمن السيبرانى، وإعداد عقوده.
الرغبة المستمرة فى التعلم، صنعت نجاحاته، وهو مصدر تفوقه، يحث أولاده على السعى والاجتهاد والعلم، لكن يظل شغله الشاغل.. الحفاظ على ريادة الشركة.. فهل يستطيع ذلك؟
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض