مارسيل خليفة يحتفل مع جمهوره في مهرجان الحمامات الدولي
قدّم الفنان اللبناني مارسيل خليفة سهرة غنائية حاملا معه أكثر من 50 عاما من التجربة الموسيقية التي جعلت اسمه واحدا من أبرز الأسماء في الموسيقى العربية الحديثة ضمن فعاليات الدورة 60 لمهرجان الحمامات الدولي (11 يوليو - 13 أغسطس 2026) التي تقام تحت شعار "ذاكرة تعيش".
وارتبط مشروع مارسيل خليفة منذ بداياته بإعادة تقديم آلة العود في قوالب موسيقية جديدة، كما نسج علاقة خاصة مع الشعر العربي ولا سيما قصائد محمود درويش التي أصبحت جزءا من ذاكرة أجيال كاملة.
ولم تكن عودة مارسيل خليفة إلى تونس منفصلة عن تلك العلاقة التي جمعته بها على امتداد السنوات، فقد جاءت أيضا امتدادا للإقامة الفنية التي أنجزها في أكتوبر 2025 بمدينة دوز من ولاية قبلي مع مجموعة من العازفين التونسيين الشبان ضمن فعاليات مهرجان "نجع الفن"، وهي تجربة أتاحت حوارا موسيقيا بين خبرته الطويلة وجيل جديد من الموسيقيين.
افتتح مارسيل خليفة السهرة بأغنية "يطير الحمام" قبل أن ينتقل إلى "في البال أغنية". وما إن تلا أبيات القصيدة حتى سأل الجمهور بلهجته اللبنانية الدارجة: "بعدكم حافظينها؟". لم ينتظر جوابا طويلا إذ سبقته مئات الأصوات إلى متابعة الكلمات، فتحول المسرح إلى مساحة يغني فيها الجميع معا بينما اكتفى هو أحيانا بالعزف وترك الجمهور يكمل الأغنية.
وبين أغنية وأخرى لم يغادر الحوار بين مارسيل خليفة وجمهوره حيث كان يروي حكاية أو يستعيد بيتا من الشعر أو يقف عند ذكرى ارتبطت بولادة عمل موسيقي وهكذا بدا البرنامج وكأنه رحلة في الذاكرة و ضم العمل اعمالا شكلت محطات مختلفة في مسيرته، من بينها "ريتا" و"خبيني" و"انتظرها" و"منتصب القامة أمشي" و"أحن إلى خبز أمي"، وصولا إلى "يا بحرية هيلا هيلا" التي اختتم بها السهرة وسط تفاعل كبير من الجمهور.
وحين تطرق مارسيل خليفة إلى ما يعيشه لبنان وفلسطين من عدوان للاحتلال الإسرائيلي، استحضر مشاهد الحرب والنزوح موجها التحية إلى الشهداء وإلى سكان المخيمات ورد الجمهور بهتافات مؤيدة للقضية الفلسطينية، قبل أن يطلب من الحضور الإصغاء إلى مقطوعة "خيام"، مبينا أنها ليست موسيقى للحزن بقدر ماهي عمل يحمل قدرا كبيرا من الأمل ويهديه إلى من يعيشون اليوم في الخيام.
ومن أكثر لحظات السهرة قربا من الجمهور تلك التي استعاد فيها علاقته بالشاعر محمود درويش فقد روى مارسيل خليفة كيف تلقى اتصالا من درويش في باريس بعد حرب سنة 1982 ليسأله عن قصيدة "انتظرها"، وكيف بقيت القصيدة سنوات طويلة قبل أن تجد طريقها إلى اللحن، ليقدمها اليوم وهو يستعيد تلك الذكرى التي جمعت الصداقة بالشعر والموسيقى.
وأفسح مارسيل خليفة المجال في السهرة أيضا لابنه العازف ساري خليفة الذي قدم على آلة التشيللو مقطوعة "صلاة" وقد اعتمد العمل على عزف منفرد كشف الإمكانات التعبيرية الواسعة لهذه الآلة الوترية.
وتنقل ساري خليفة بين جمل لحنية تستلهم المقامات الشرقية وتستفيد في الوقت نفسه من تقنيات الموسيقى الكلاسيكية الغربية وجاء البناء الموسيقي متدرجا يبدأ بصوت خافت ثم يرتفع تدريجيا قبل أن يعود إلى السكون في صياغة منحت العمل طابعا تأمليا، وجعلت التشيللو يبدو كأنه يروي حكاية إنسان يبحث عن الطمأنينة وسط عالم مثقل بالحروب والقلق.
ولم يقطع الجمهور هذا الصمت إلا بالتصفيق الطويل الذي أعقب نهاية المقطوعة، قبل أن يعود مارسيل خليفة لاستكمال رحلته مع الأغاني.
مؤتمر مارسيل خليفة
وفي الندوة الصحفية التي تلت العرض، قال مارسيل خليفة إن أكثر ما لفت انتباهه هو تنوع الحضور، حيث اجتمع الأطفال والشباب والآباء والأمهات والجدات في أمسية واحدة، معتبرا أن هذا المشهد يعكس قدرة الموسيقى على جمع أجيال مختلفة حول عمل فني واحد.
كما أثنى على الإصغاء الذي رافق المقاطع الموسيقية، مؤكدا أن صمت الجمهور أثناء العزف لا يقل قيمة عن مشاركته في الغناء.
وكشف مارسيل خليفة أنه انتهى من إنجاز عمل موسيقي ضخم مستوحى من قصيدة "الجدارية" لمحمود درويش، استغرق إنجازه أكثر من سنتين ويجمع بين الأوركسترا والكورال والمسرح والرقص ويستعيد صوت درويش راويا داخل العمل، إلى جانب مشاركة الفنان التونسي ظافر يوسف , وبيّن أن المشروع لا يزال ينتظر الظروف الإنتاجية المناسبة ليقدم.
وعن مكانة الفن في عالم يشهد تحولات متسارعة، قال مارسيل خليفة إن التشبث بالأمل أصبح أكثر صعوبة لكنه يظل ضرورة، مضيفا: "لو كان هذا الأمل مستحيلا أتمسك بهذا المستحيل"، كما أوضح أن الأغنية لا تؤدي دورها فقط عندما ترفع الشعارات، وإنما أيضا عندما تحتفي بالحب والجمال والإنسان، مشيرا إلى أنه تعمد افتتاح السهرة بأغنية "يطير الحمام" لما تحمله من دعوة إلى المحبة.
أما أغنية "يا بحرية هيلا هيلا"، فقال مارسيل خليفة إنه يسعد عندما يرددها الناس ، حتى إن كثيرين ينسون أنها من أعماله، لأن الأغنية في نظره تبلغ ذروة حياتها حين تصبح جزءا من الذاكرة الجماعية.
يذكر أن عشاق الأغنية التونسية يلتقون في سهرة اليوم السبت 25 يوليو، بالفنان شكري بوزيان الذي سيقدم فقرات غنائية ساحرة بين الماضي والحاضر تمزج بين الطابع التونسي والمغاربي والايقاعات المتنوعة لتناسب كل الأذواق والأعمار. وعلى مسرح مهرجان الحمامات الدولي يستضيف شكري بوزيان طاقات شابة مثل الفنان فراس القلسي والفنانة آمنة دمق .




تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض