رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

حين صنعت هدى شعراوي تاريخًا جديدًا

هدى شعراوي
هدى شعراوي

لم تكن "هدى شعراوي" ابنة محافظة المنيا ؛  مجرد اسمٍ عابر في دفتر النهضة المصرية الحديثة، بل كانت شرارة الوعي الأولى التي أضاءت عتمة العزلة النسوية، ورائدةً نسجت من الفكر والنضال ملامح الحركة الوطنية والاجتماعية في مصر والعالم العربي.

ولدت نور الهدى محمد سلطان (الشهيرة بـ "هدى شعراوي") في السَّابع والعشرين من يونيو عام 1879م بمحافظة المنيا ،  لم يمهلها القدر كثيراً ليشتد عودها في ظل والدها؛ إذ غيَبه الموت وهي لم تتجاوز الثامنة من عمرها، كان والدها رجلاً عصامياً بحق، شق طريقه بكفاءته وإخلاصه حتى حاز لقب "الباشوية"، وتسنَّم رئاسة مجلس النواب في عهد الخديوي توفيق، ليغدو أحد أبرز قادة الإصلاح في القرن التاسع عشر.

وقد اقترن اسمها لاحقاً بزوجها علي شعراوي، أحد أركان الحركة الوطنية والثلاثة الأبرار الذين جسروا الخطوة الأولى نحو الاستقلال ، حين توجهوا إلى المعتمد البريطاني في 13 نوفمبر 1918م ، للمطالبة بإلغاء الأحكام العرفية في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

تجلت بذور العطاء لدى هدى شعراوي مبكراً؛ ففي سن العشرين، انخرطت في الصفوف الأولى للجهود الأهلية لمواجهة "الوباء الأصفر" الذي ألّم بالبلاد ، ولم يقف طموحها عند حدود الإغاثة، بل تعداه إلى البناء؛ فدعت عام 1907م ، إلى جمع التبرعات لتأسيس "جمعية رعاية الطفل"، ورغم التحمس الشعبي الجارف، إلا أن السلطات الرسمية أجهضت المشروع في بداياته.

لم يفت ذلك في عضدها، ففي عام 1908م ، بدأت ممارسة التنوير الفكري عبر المطالبة بقاعات للمحاضرات الثقافية المخصصة للسيدات؛ واستجابت الجامعة الأهلية لهذه الدعوة التاريخية حين وافق الأمير أحمد فؤاد عام 1909م على تخصيص قاعة أسبوعية يوم الجمعة لتثقيف المرأة.

أسست شعراوي ، جمعيات بالتعاون مع الأميرتين "عين الحياة" و"أمينة حلمي" جمعيتي "الرقي الأدبي للسيدات" و"المرأة الجديدة"، والمنبر الصحفي حيث أنشأت مجلة "المصرية" باللغة الفرنسية عام 1925م وترأست تحريرها سيزا نبراوي، قبل أن تصدرها بالعربية،  لتكون صوتاً مدافعاً عن حقوق المرأة والقضية الفلسطينية.

وعندما اندلعت ثورة 1919، لم تكن المرأة المصرية مجرد شاهدة، بل كانت شريكة في صناعة المجد ، ففي 16 مارس 1919م، اجتمعت السيدات في الكنيسة المرقسية لتولد "اللجنة التنفيذية للنساء الوفديات" برئاسة هدى شعراوي، قادت اللجنة المظاهرات النسائية الحاشدة ضد الاحتلال، وخلّدت هدى شعراوي أسماء شهيدات الثورة الأولى مثل: شفيقة محمد، فهيمة رياض، عائشة عمر، وحميدة خليل.

ولم يتوقف النضال السياسي عند المظاهرات، بل امتد ليشمل اجتماع كنيسة الأقباط الكبرى (13 ديسمبر 1919م): تأكيد مقاطعة "لجنة ملنر" والإصرار على الاستقلال التام، مظاهرة ميدان المحطة (16 يناير 1920م): الاحتشاد أمام لوكاندة شبرد للهتاف بحرية مصر والوفد.

وفي المواقف القومية ، سجلت "شعراوي " تقارير الوفد المتجهة لباريس احتجاحات رسمية قادتها هدى شعراوي ضد مشاريع سلب مياه النيل وري السودان، و كانت هدى شعراوي حليفةً وداعمةً لزعيم الأمة سعد زغلول لإيمانه بالمرأة، واقتربت في أربعينيات القرن الماضي من دوائر القصر الملكي، متخذةً مساراً سياسياً قريباً من نهج المناضلة نبوية موسى.

في 16 مارس 1923م ، وفي ذكرى المظاهرة النسائية الأولى ، أعلنت هدى شعراوي ميلاد "الاتحاد النسائي المصري"، وظلت في سدة رئاسته تبني وتدافع حتى وفاتها، ولم تقف تطلعاتها عند حدود القطر المصري، المحيط العربي: أسست وترأست "الاتحاد النسائي العربي" عام 1944م، نصرة فلسطين: نظّمت أول مؤتمر نسائي دُولي للدفاع عن عروبة فلسطين عام 1938م.

وعن الدور الثقافي والفني ل"شعراوي"، احتضنت الفنون الجميلة؛ فكانت عضواً بارزاً في "جمعية محبي الفنون الجميلة"، وأسست "جمعية أصدقاء مختار" عام 1934م تخليداً لذكرى مثال مصر الرائد محمود مختار، بعد رحلة نضال سياسي وفكري وثقافي امتدت لعقود، ترجلت الفارس عن جوادها في 13 ديسمبر 1947م (الموافق 28 المحرم 1367 هـ)، رحلت هدى شعراوي،  لكنها تركت خلفها إرثاً لا يمحى، ومساراً ممهداً أثبتت فيه أن المرأة المصرية والعربية هي الشريك الأصيل في صناعة التاريخ وبناء الأوطان.