لايوجد أخطر على الأوطان من أناس يرتدون الأقنعة ، ويتقنون التصفيق أكثر مما يتقنون العمل ، ويجيدون تبديل المواقف والوجوه كما تبدل الحرباء لونها.. هؤلاء لا يؤمنون بوطن ، ولا يدينون لمبدأ ، ولا ينحازون إلا لمن يملك المصلحة أو النفوذ...فى زمن اختلطت فيه القيم ، لم يعد السؤال عن : من صاحب الحق ؟ بل : من صاحب القوة ؟ ولم يعد المعيار هو الكفاءة أو النزاهة ، وإنما القدرة على التملق ، وإجادة الإنحناء أمام المصلحة ، وتسويق الأكاذيب فى ثوب الحقيقة.المنافق لا يعيش إلا فى الظلام والوحل ، لأنه يخشى نور الحقيقة ويخشى أيضا النظافة . يبتسم فى وجهك ، ويغرس الخنجر فى ظهرك ، يمدحك إذا حضرت ، ويهدمك إذا غبت.. له فى كل مجلس رأى ، وفى كل مصلحة موقف ، وفى كل مرحلة وجه جديد..منافق بامتياز .
أصحاب المصالح ، لا وطن لهم إلا حيث تكون الغنيمة.. يرفعون الشعارات حتى إذا تعارضت مع مصالحهم ، ألقوا بها فى أول طريق ، وباعوا ضمائرهم فى سوق المنافع ، غير عابئين بمن يُظلم أو بمن تُغتصب حقوقه.
وهنا تكون المأساة الكبرى.. يضيع الحق ، لا لأنه ضعيف ، بل لأن من حوله باعوا أصواتهم بثمن بخس ، واستبدلوا ضمائرهم بحفنة من المكاسب.. الشريف يصبح غريبا ، وصاحب المبدأ متهما ، بينما يتصدر المشهد من أتقن فن التلون والرقص والإنحناء ، وأحسن صناعة الأقنعة..المجتمعات لا تسقط حين يكثر الفاسدون فقط ، بل حين يصمت الشرفاء ، ويصبح النفاق وسيلة للترقى ، ويُنظر إلى الصراحة على أنها جريمة، وإلى الصدق باعتباره تهورا ، وإلى صاحب الكرامة بأنه غير قادر على "التكيف"..لكن الحقيقة التى لا تتغير ،أن الأقنعة لا تعيش إلى الأبد.. يأتى يوم تسقط فيه جميعها ، وينكشف كل متلون أفاق ، ويعرف الناس من كان صاحب موقف ، ومن كان مجرد تابع يلهث خلف المصلحة..ويبقى الحق ، وإن تأخر إنتصاره ، أطول عمرا من كل المنافقين ، وأبقى أثرا من كل المتملقين. فالتاريخ لا يحترم أصحاب الوجوه المتعددة ، وإنما يخلد الذين وقفوا مع الحق ، ولو كانوا وحدهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض