رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

إثيوبيا بعد بريتوريا: تحديات تنفيذ التسوية وإعادة تشكيل العلاقة بين المركز وإقليم تيجراي

مصممة بالذكاء الاصطناعي
مصممة بالذكاء الاصطناعي

أثار بيان حكومة إقليم تيجراي الرافض للمشاركة في المسيرة المقرر تنظيمها في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اهتمامًا سياسيًا يتجاوز الحدث ذاته، إذ يعكس استمرار التباينات بين الحكومة الفيدرالية وسلطات الإقليم بشأن مسار تنفيذ اتفاق بريتوريا، ومستقبل العلاقة بين المركز والأقاليم في مرحلة ما بعد الحرب.

 

وتنطلق هذه الورقة من فرضية مفادها أن البيان لا يمثل اعتراضًا على فعالية أت البيان لا يمثل اعتراضًا على فعالية جماهيرية بقدر ما يعكس انتقال التنافس من المجال العسكري إلى المجال السياسي، حيث يسعى كل طرف إلى تعزيز موقعه ضمن معادلة إعادة ترتيب السلطة داخل الدولة الإثيوبية.

كما تناقش الورقة كيف تحول ملف تيجراي، إلى أحد أبرز مؤشرات الجدل الدائر حول مستقبل النظام الفيدرالي الإثيوبي، وحدود صلاحيات الأقاليم، وآليات إدارة التوازنات الداخلية، وانعكاسات ذلك على استقرار القرن الأفريقي.

مقدمة 

لاتُقاس أهمية البيانات السياسية، بما تتضمنه من مواقف معلنة فحسب، وإنما بالسياق الذي تصدر فيه والرسائل التي توجهها إلى الأطراف الداخلية والخارجية.

وفي هذا الإطار، تكتسب بيان حكومة إقليم تيجراي الرافض للمسيرة المرتقبة في أديس أبابا أهمية تتجاوز كونه موقفًا من فعالية جماهيرية، ليعكس استمرار التباين في الرؤى بين الإقليم والحكومة الفيدرالية بشأن طبيعة المرحلة الانتقالية بعد اتفاق بريتوريا.

 فعلى الرغم من أن الاتفاق، الموقع في نوفمبر 2022، نجح في وقف الحرب التي مثلت أخطر تهديد لوحدة الدولة الإثيوبية منذ عقود، فإن مرحلة ما بعد النزاع كشفت أن إنهاء العمليات العسكرية لا يعني بالضرورة تسوية جذور الأزمة السياسية.

فما تزال ملفات توزيع السلطة، واستعادة الثقة بين الأطراف، وتنفيذ الالتزامات الواردة في الاتفاق، تمثل قضايا محل تباين بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيجراي.

ومن ثم، لم يعد السؤال الرئيسي يتمثل في ما إذا كانت الحرب قد انتهت، بل في مدى قدرة الدولة الإثيوبية على تحويل وقف إطلاق النار إلى تسوية سياسية مستدامة تعالج أسباب الصراع وتؤسس لعلاقة أكثر استقرارًا بين المركز والأقاليم.

أولاً: لماذا اكتسب بيان تيجراي هذه الأهمية؟

في الظروف السياسية الاعتيادية، قد لا تمثل الدعوة إلى مقاطعة فعالية جماهيرية حدثًا استثنائيًا، غير أن خصوصية المشهد الإثيوبي تمنح مثل هذه المواقف دلالات أوسع، في ظل استمرار المرحلة الانتقالية وتشابك الاعتبارات السياسية والأمنية.

 

فالبيان لم يقتصر على الاعتراض على تنظيم المسيرة، بل ربطها بالسياق السياسي الذي أعقب اتفاق بريتوريا، معتبرًا أنها لا تنسجم مع أولويات الإقليم في هذه المرحلة، ويعكس ذلك إدراك سلطات تيجراي أن المجالين السياسي والإعلامي أصبحا امتدادًا للتنافس الذي كان يُدار سابقًا عبر الأدوات العسكرية، وأن معركة التأثير في الرأي العام باتت عنصرًا مهمًا في رسم ملامح المرحلة المقبلة.

وعليه، فإن أهمية البيان لا تكمن في موقفه من المسيرة ذاتها، بل في كونه بعكس استمرار التنافس حول تفسير المرحلة الانتقالية، وتحديد أولوياتها، ومن يمتلك القدرة على التأثير في مسارها.

ثانياً: ما بعد بريتوريا.. من وقف إطلاق النار إلى إدارة الخلاف

شكل اتفاق بريتوريا نقطة تحول في الأزمة الإثيوبية، بعدما أوقف العمليات العسكرية وفتح المجال أمام مسار سياسي يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين الحكومة الفيدرالية وإقليم تيجراي، إلا أن الاتفاق جاء بوصفه إطارًا عامًا لإدارة مرحلة ما بعد الحرب، وليس تسوية نهائية لجميع القضايا الخلافية.


ومع مرور الوقت، برزت تباينات في تقييم مستوى تنفيذ الاتفاق، فبينما تؤكد الحكومة الفيدرالية أن التنفيذ يرتبط باعتبارات أمنية وإدارية معقدة تتطلب التدرج، ترى سلطات تيجراي أن بطء تنفيذ بعض البنود ينعكس سلبًا على الثقة المتبادلة ويؤخر استكمال عملية الانتقال السياسي.

ويشير هذا التباين إلى أن الخلاف لم يعد يدور حول مبدأ السلام، وإنما حول آليات تطبيقه، وترتيب أولوياته، والريفية التي ينبغي أن تُدار بها مرحلة ما بعد النزاع، وهي قضايا باتت تنعكي بوضوح في الخطاب السياسي للطرفين.

ثالثًا: إعادة تشكيل السلطة داخل الدولة الإثيوبية 

تكشف تطورات الأزمة أن النقاش تجاوز حدود تنفيذ اتفاق بريتوريا، ليمتد إلى سؤال أكثر عمقًا يتعلق بطبيعة الدولة الإثيوبية بعد الحرب، وشكل العلاقة بين السلطة الفيدرالية والأقاليم.

فمنذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة، برز توجه يدعو إلى تعزيز دور المؤسسات الفيدرالية وإعادة بناء الدولة بما يحدث من مظاهر الانقسام السياسي والإثني.

وفي المقابل، تنظر بعض القوى الإقليمية إلى هذه المقاربة باعتبارها قد تؤدي إلى تقليص هامش الصلاحيات الذي منحته الفيدرالية للأقاليم، وهو ما يثير مخاوف بشأن مستقبل توازن السلطة داخل الدولة.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة بيان حكومة تيجراي بوصفه تعبيرًا عن هواجس تتعلق بمستقبل النظام الفيدرالي أكثر من كونه اعتراضًا على فعالية سياسية بعينها، فالإقليم يسعى إلى التأكيد أن مرحلة إعادة بناء الدولة يجب أن تستند إلى توافق سياسي يحافظ على الالتزامات التي أُقرت بعد الحرب، وألا تتحول إلى فرصة لإعادة صياغة العلاقة بين المركز والأقاليم بصورة أحادية.

 

رابعًا: حسابات الفاعلين السياسيين 

تتحرك الأطراف الرئيسية في الأزمة وفق حسابات سياسية متباينة، ترتبط بمصالحها ورؤيتها لطبيعة المرحلة المقبلة.

 

فالحكومة الفيدرالية تسعى إلى تثبيت الاستقرار الداخلي، وتعزيز صورة الدولة باعتبارها قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، بما يدعم شرعيتها السياسية ويعزز ثقة الشركاء الإقليميين والدوليين في مسار الإصلاح.

في المقابل، تركز سلطان تيجراي على ضمان التنفيذ الكامل للالتزامات المنصوص عليها في اتفاق بريتوريا، مع الحفاظ على حضور الإقليم في المشهد السياسي الوطني، ومنع تراجع قضاياه عن أولويات الحكومة الفيدرالية أو المجتمع الدولي.

وفي ضوء هذه الحسابات، يبدو أن التنافس بين الطرفين انتقل إلى مرحلة جديدة تُدار عبر الأدوات السياسية والخطاب العام، أكثر من ارتباطها باحتفالات العودة إلى المواجهة العسكرية، ويعكس ذلك استمرار عملية التفاوض غير المباشر حول مستقبل الدولة الإثيوبية، وتوازنات السلطة داخلها، وحدود العلاقة بين المركز والأقاليم.

خامسًا: البعد الإقليمي.. لماذا تتابع الأطراف الخارجية تطورات الأزمة؟

لا تنبع أهمية التطورات في إقليم تيجراي من تأثيرها على الداخل الإثيوبي فحسب، وإنما من موقع إثيوبيا في معادلات الأمن الإقليمي.

 

فهي دولة محورية في القرن الأفريقي، وتحاور دولاً تعاني أصلاً من أزمات أمنية وسياسية، كما تتداخل تطوراتها الداخلية مع ملفات استراتيجية تشمل أمن البحر الأحمر، والتوازنات في القرن الأفريقي، وقضايا حوض النيل، والهجرة غير النظامية، والتكامل الاقتصادي الإقليمي، وهو ما يمنح أي تطور داخلي فيها أبعادًا تتجاوز حدودها الوطنية.

ومن هذا المنطلق، فإن أي توتر جديد بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيجراي يثير اهتمامًا لدى الفاعلين الإقليميين والدوليين، ليس فقط خشية تعثر تنفيذ اتفاق بريتوريا، وإنما أيضًا بسبب احتمال انعكاس ذلك على استقرار القرن الأفريقي بأكمله، كما أن الاتحاد الأفريقي، الذي اضطلع بدور الوسط في التوصل إلى الاتفاق، معني بالحفاظ  على مصداقية مستر التسوية، إذا إن أي تعثر في تنفيذ الاتفاق قد يؤثر في فرص نجاح الوساطات الأفريقيو في نزاعات أخرى داخل القارة.

ولا يعني ذلك أن الأطراف الخارجية قادرة وحدها على فرض حلول، إلا أن استمرار الدعم السياسي  والفني لعملية السلام يظل عاملاً مؤثرًا في تشجيع الطرفين على الإبقاء على قنوات الحوار مفتوحة، بما يسهم في الحد من احتمالات التصعيد والحفاظ على استقرار المنطقة.


سادسًا: هل يعكس البيان أزمة تنفيذ أم أزمة ثقة؟

تكشف القراءة المتأنية للبيان أن جوهر الخلاف لا يقتصر على تأخر تنفيذ بعض الالتزامات، وإنما يرتبط أيضًا بمستوى الثقة بين الطرفين، ففي المراحل الانتقالية التي تعقبت النزاعات، لا يكون الاتفاق السياسي كافيًا إذا غابت الثقة في نيابت الأطراف وآليات التنفيذ.

ويشير ذلك إلى الأزمة الراهنة تعكس تداخل البعدين السياسي والمؤسسي؛ فضعف الثقة يؤثر في تفسير الالتزامات، بينما يؤدي بطء التنفيذ إلى إعادة إنتاج حالة من عدم اليقين بين الحكومة الفيدرالية وسلطات الإقليم.

ومن هنا، يمكن فهم البيان باعتباره محاولة من سلطات تيجراي لتأكيد أن معالجة الملفات العالقة يجب أن تتم في إطار الالتزامات التي نص عليها اتفاق بريتوريا، بينما ترى الحكومة الفيدرالية أن إدارة هذه الملفات ترتبط أيضًا باعتبارات تتعلق باستقرار الدولة ككل ومتطلبات الحفاظ على تماسك النظام الفيدرالي.

وبالتالي؛ فإن التحدي الأساسي لا يمكن في وجود خلاف سياسي، بل في قدرة المؤسسات على إدارة هذا الخلاف ضمن الأطر الدستورية والسياسية، بما يمنع تحوله إلى أزمة تقوض مسار التسوية.


سابعًا: السيناريوهات المحتملة 

السيناريو الأول: استئناف الزخم السياسي لتنفيذ الاتفاق

يقوم هذا السيناريو على تكثيف الحوار بين الحكومة الفيدرالية وسلطات تيجراي، مع إحراز تقدم تدريجي في القضايا العالقة، بما يسهم في تخفيف حدة التوتر وتعزيز الثقة المتبادلة.

ويرتبط نجاح هذا المسار بوجود إرادة سياسية لدى الطرفين، إلى جانب استمرار الاهتمام الإقليمي والدولي بدعم عملية السلام.


السيناريو الثاني: استمرار إدارة الخلاف 

يفترض هذا السيناريو بقاء اتفاق بريتوريا قائمًا، مع استمرار التباينات السياسية والإعلامية بين الطرفين دون تحولها إلى مواجهة عسكرية.

وفي هذه الحالة، ستظل العلاقة بين المركز والإقليم محكومة بالتفاوض المستمر حول الملفات الخلافية، مع بقاء مستوى من عدم اليقين بشأن سرعة تنفيذ الالتزامات.
 

وبالنظر إلى المعطيات الحالية، يبدو أن سيناريو استمرار إدارة الخلاف هو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب، في ظل استمرار الالتزام الشكلي باتفاق بريتوريا، مقابل بطء معالجة الملفات الجوهرية التي لا تزال محل خلاف بين الجانبين.


السيناريو الثالث: تصاعد التوتر 

لا يمكن استبعاد احتمال تصاعد التوتر إذا تعثرت قنوات الحوار أو ظهرت أزمات جديدة مرتبطة بالملفات العالقة، ومع ذلك، فإن تحقق هذا السيناريو سيظل مرهونًا بتطورات ميدانية وسياسية مستقبلية، ولا توجد مؤشرات كافية تسمح بالحزم بقرب حدوثه.

تقدير الموقف 

يشير بيان حكومة إقليم تيجراي إلى أن المرحلة الحالية في إثيوبيا، لم تعد تقتصر على تنفيذ اتفاق سلام، بل دخلت مرحلة أكثر تعقيدًا تتعلق بإدارة العلاقة بين السلطة الفيدرالية والأقاليم في مرحلة ما بعد الحرب.
 

ولا يبدو أن أيًا من الطرفين يرغب، في الوقت الراهن، في العودة إلى المواجهة العسكرية الواسعة، غير أن استمرار التباينات بشأن تفسير الالتزامات وآليات تنفيذها قد يؤدي إلى إطالة أمد التوتر السياسي، بما يفرضه تحديات إضافية على عملية بناء الثقة.

وتشير المؤشرات الراهنة إلى أن نجاح المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدم تجدد المواجهات المسلحة، وإنما أيضًا بقدرة مؤسسات الدولة على إدارة الخلافات ضمن أطر دستورية وسياسية مستقرة، بما يحول دون تحول الأزمات السياسية إلى صراعات أمنية جديدة.

 

وفي المقابل، فإن الحفاظ على قنوات الحوار، والتقدم التدريجي في معالجة القضايا العالقة، يظلان عنصرين أساسيين لضمان استمرار المسار السياسي وتجنب انتقال الخلافات إلى مستويات أكثر تعقيدًا.

كما تكشف الأزمة أن مستقبل الاستقرار في إثيوبيا لم يتحدد فقط بمدى الالتزام باتفاق بريتوريا، وإنما أيضًا بقدرة مؤسسات الدولة والأقاليم على تطوير آليات فعالة لإدارة الخلافات السياسية ضمن الإطار الدستوري، بما يحقق توازنًا بين متطلبات وحدة الدولة وخصوصية النظام الفيدرالي.

 

ختامًا 

يمثل اعتراض سلطات تيجراي على المسيرة المرتقبة في أديس أبابا مؤخرًا على أن مرحلة ما بعد الحرب لا تزال تحمل تحديات سياسية ومؤسسة تتجاوز الجوانب الأمنية، فالقضية المطروحة اليوم لا تقتصر على تنفيذ بنود اتفاق بريتوريا، بل تمتد إلى كيفية إدارة العلاقة بين المركز والأقاليم، وحدود الصلاحيات، وآليات بناء الثقة في دولة تتسم بتنوع سياسي وإثني معقد.

وفي ضوء ذلك، تبدو المرحلة المقبلة اختبارًا لقدرة الأطراف الإثيوبية على تحويل اتفاق السلام من إطار لوقف القتال إلى أساس لتسوية سياسية أكثر استدامة، فنجاح هذا المسار لم يعتمد على غياب المواجهات المسلحة وحده، وإنما على قدرة الفاعلين السياسيين على معالجة الخلافات عبر المؤسسات والحوار، بما يعزز الاستقرار الداخلي ويحد من انعكاسات الأزمات المحلية على البيئة الإقليمية في القرن الأفريقي.

 
 وفي المحصلة، يعكس اعتراض سلطات تيجراي أن اتفاق بريتوريا دخل مرحلة اختبار تتعلق بجودة التنفيذ أكثر من مبدأ الاتفاق ذاته، وسيظل مستقبل الاستقرار في إثيوبيا مرهونًا بقدرة الحكومة الفيدرالية وسلطات الأقاليم على تحويل التفاهمات السياسية إلى ترتيبات مؤسسية مستدامة، بما يحافظ على وحدة الدولة ويحد من احتمالات عودة التوتر، في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من التعقيد والتنافس الجيوسياسي.