نور
الوضع الإقليمى المضطرب، يجعلنا غير قادرين على فهم ما يجرى حولنا، وتصرفات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب «مُحيرة» و«مزعجة»! فهو تارة يتحدث عن تدمير إيران، ثم يتحدث عن السلام معها، ثم نراه يبتسم ويقول: الشعب الإيرانى لا يستحق التدمير، ليفاجئنا بإعادة توجيه الضربات لطهران بعنف، دون رد إيرانى مباشر على القوات الأمريكية، وكأن ترامب يعاود الضرب تجاه إيران، لأنه يرغب فى إعادة مرحلة الاعتداءات الإيرانية على الخليج!
وإذا حاولت فهم ما يجرى حولك، مهما بلغت من القدرة والعلم والخبرة، سوف تحتار مع هذه السياسة الفوضوية التى تسببت- أيضًا- فى زعزعة استقرار المنطقة بشكل غير مسبوق وترسيخ مفهوم الفوضى الدائمة اللا نهائية!
إذا طرحنا على أنفسنا أسئلة طبيعية حول الوضع فى الإقليم قد لا نجد لها إجابات منطقية، ولكننا سنحاول البحث عن مسار لهذه السياسة الفوضوية والغرض منها.
> هل الولايات المتحدة تريد سلامًا حقيقيًا مع إيران؟ أم أنها ما زالت تريد القضاء على نظام الملالي؟
>> ما تريده الولايات المتحدة هو الضغط على إيران لتحقيق سلام بشروط أمريكية.. وتريد شكل الإعلان عن هذا السلام يبدو وكأنه انتصار أمريكى كامل وهزيمة إيرانية ساحقة، وهذا الإعلان يتطلب شكلًا معينًا، بحيث يبدو أنه اتفاق بين طرفين غير متكافئين، وهذه ثقافة أمريكية لا يمكن تغييرها، فيجب على الكاوبوى أن يظهر بشكل يتناسب مع قدراته السينمائية، وأن يهلل له الشعب الأمريكى لأنه تمكن من القضاء على الأشرار، وهذه الطريقة لا تناسب إيران، ولذلك بعدما تم الاتفاق على بنود كثيرة، ومنها مصير اليورانيوم المخصب، وهى أصعب مراحل الاتفاق، وصلنا إلى توقيت الاتفاق النهائى، وهنا طلب ترامب أن تختلف الطريقة وأن تتحول لأسلوب «تصوير».. وهو نموذج لا يناسب النظام الإيرانى الذى يتحدث مع شعبه عن «الكرامة» التى هى أهم من الحياة.
> هل الطرف الإيرانى يرغب فعلًا فى السلام مع الولايات المتحدة أم أنه يناور من أجل كسب الوقت؟
>> الإيرانيون يريدون اتفاقًا فعلًا مع الولايات المتحدة، ويريدون للسلام أن يمر، ولكنهم ما زالوا يضغطون من أجل تفاصيل صغيرة كادت أن تنتهى مثل ملف لبنان، الذى لا تريد إسرائيل له أن يتم، وإيران حاولت إفساد المخطط الإسرائيلى عندما طلبت من حزب الله- ذراعها الرئيسية- عدم الرد على الاعتداءات الإسرائيلية حتى لا تفسد المفاوضات مع أمريكا، ولكن يبدو أن قدرات تل ابيب ونفوذها لدى الولايات المتحدة وترامب أفسدت التفاوض حول لبنان.. فإيران لن تتخلى عن حزب الله ولن تتركه يسقط فريسة لأى طرف حتى لو كانت الحكومة اللبنانية نفسها.. فما بالك بإسرائيل وأمريكا.. ولذلك أصبحنا أمام مشهد مُعقد.. إسرائيل تضرب لبنان بالتنسيق مع الولايات المتحدة.. وحزب الله لا يتحرك إلا بالاتفاق مع إيران ليصبح الغائب فى هذه المعركة- للأسف- هو الجيش اللبنانى صاحب المسئولية المباشرة عن حفظ السيادة، لكنه غير قادر على تنفيذ مهامه.. كل هذا جعل الطرفين الإيرانى والأمريكى يصطدمان من جديد بشأن بند مهم كاد أن ينتهى ويتم الاتفاق عليه.. وهو ملف لبنان.
> هذه الدراما جعلت الأنظار تتجه ناحية إيران مرة أخرى بعد مرحلة هدوء.. لكن فى صمت شديد يستمر العدوان على لبنان.. وتعاود إسرائيل الاعتداء على غزة.. لماذا تنفذ إسرائيل هذا السيناريو؟
>> إسرائيل تلعب على عامل الوقت.. وأيضًا تراهن على حدوث متغيرات قد تؤدى إلى استكمال مخططها الرئيسى.. وهذا المخطط يستهدف الاستيلاء- تمامًا- على جنوب لبنان وضمه لأراضيها، ولكن ينازعها فى هذا الأمر حزب الله الموالى لإيران، ويستهدف المخطط أيضًا الاستيلاء على غزة- تمامًا- وضمه لحدودها، ولكن هذا المخطط تعثر بفعل الصلابة المصرية فى مواجهة مخطط التهجير، وبالمناسبة هو مشروع قديم يتجدد كلما سنحت الفرصة، وهدف إسرائيل الرئيسى من ضرب جنوب لبنان وغزة هو... أولًا: منع أى نجاح فى المفاوضات بشأن لبنان ليبقى على وضعه الحالى حتى ترجع تل أبيب لترتيب أوضاعها لإعادة اجتياح الجنوب، وبخصوص غزة فالهدف هو المزيد من التدمير وتأجيل مشروع إعادة إعمار المدينة حتى لا يصبح القطاع الفلسطينى خاضعًا لإرادات مختلفة لأطراف ليس بينها إسرائيل، وبالتالى تصبح مسألة الاستيلاء على غزة أكثر صعوبة.. والهدف الإسرائيلى النهائى هو الاستيلاء على جنوب لبنان وغزة وضم مساحات ما بعد الجولان السورية نهائيًا لتتضاعف مساحة إسرائيل رسميًا!
هذه محاولة بسيطة لفهم ما يحدث حولنا.. وهو مسلسل معقد لن ينتهى بسهولة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض