مراجعات
عندما قرر العالم أن يكتب المستقبل بلغة استثنائية وعقول فذَّة، عن طريق «الخوارزميات»، يظل عالمنا العربي عالقًا في وحل الفقر والصراعات والحروب، منشغلًا بجدالات تتعلق بهوامش التاريخ، ومتغافلًا عن البحث العلمي، كطريق أوحد إلى التقدم والريادة والنهضة.
لذلك، نعتقد أن الثروة الحقيقية ـ في القرن الحادي والعشرين ـ باتت تُستخرج من داخل المختبرات، وكذلك بعدد براءات الاختراع، وقُدرة الدول على إنتاج المعرفة وتسخيرها، لكن اللافت أننا آثرنا بإرادتنا، التخلف عن ركب الحضارة، والاسترخاء في مقاعد المتفرجين!
وبينما يمضي العالم بسرعة فائقة، إلى حسم إحدى أعظم المعارك العلمية غير المسبوقة، باستثمارات فلكية، قد تصل إلى 800 مليار دولار خلال سنوات معدودة، نجد أن مشروع «XAI» الذي أسسه «التريليونير إيلون ماسك»، نموذج فريد، بدأ باستثمارات تجاوزت 20 مليار دولار خلال فترة قصيرة، كبداية لخطط بناء بنية حوسبة عملاقة، تضم الملايين من وحدات معالجة الرسوميات اللازمة لتدريب نماذج ذكاء اصطناعى أكثر تقدمًا.
منذ عقود، تُنفق الولايات المتحدة والصين والاتحاد الأوروبى مئات المليارات من الدولارات على «الذكاء الاصطناعي» والبحث العلمي، لأنها تدرك أن مَن يمتلك «الخوارزمية»، يستطيع السيطرة على العالم، لكن العرب يتعاملون مع البحث العلمي كما لو كان بندًا فائضًا في الموازنة، يمكن الاستغناء عنه كلما ضاقت الأحوال!
اللافت أن بيانات الـ«يونسكو» تشير إلى أن متوسط الإنفاق العربي على البحث العلمي لا يتجاوز في كثير من الدول «0.5%» من الناتج المحلي الإجمالي، بينما تتجاوز النسبة «3%» في أمريكا واليابان وكوريا الجنوبية، فيما تقترب من 5% فى «الكيان الصهيونى»!
هذا الفارق ليس رقمًا في تقرير اقتصادي، بل فجوة حضارية تتسع عامًا بعد عام، إذ يختصر العالم سنوات من التجارب باستخدام «الذكاء الاصطناعي»، فيما نحن نختصر أحلام الباحثين في ملفات مؤجلة، وميزانيات هزيلة، وإجراءات لا تنتهي، حتى أصبحت البيروقراطية العربية أحد أكثر المشروعات استدامةً في منطقتنا البائسة!
الآن، لم يعد الحديث ذا قيمة، عن هجرة العقول والأدمغة، لأنها تهرب من بيئة تطلب من الباحث أن يُبدع بلا أدوات، وأن يُنافس بلا تمويل، وأن ينشر أبحاثًا عالمية في مختبرات لا تملك أي مقومات.. لكنه عندما ينجح في الخارج، نتسابق إلى الاحتفاء به!
لعل المفارقة المريرة أننا أصبحنا فقط مستهلكين للتكنولوجيا، حيث نتباهى باستخدام أحدث تطبيقات «الذكاء الاصطناعي»، بينما الشركات التي تطورها تُقدَّر قيمتها بمئات المليارات من الدولارات، وتُبني اقتصادات كاملة على المعرفة، في حين نستورد التقنية كما نستورد الأجهزة، ثم نزعم أننا دخلنا عصر التكنولوجيا من أوسع أبوابه!
أخيرًا.. إن أزمة العالم العربي ليست نقصًا في الموارد، وإنما في ترتيب الأولويات، فالأمم التي تصنع المستقبل لا تبني نهضتها بالمشاهدة من مقاعد المتفرجين، بل على المختبرات العلمية، والاستثمار في العلماء والعقول.
فصل الخطاب:
«من يشتري التكنولوجيا سيظل مستهلكًا على الدوام، ومن يُنتج المعرفة سيكون صانعًا للمستقبل».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض