لعل وعسى
تناولنا فى المقال السابق أن القمة الأخيرة لمجموعة العشرين الصناعية الكبرى، قد أكدت على حقيقة تصاعد حالة عدم اليقين، وأن الإعتماد على قيادة الولايات المتحدة لحل الأزمات لم يعد أمرًا مضمونًا، وهنا كان القرار المصرى التاريخى بالاعتماد على الذات بعد مرحلة كانت إلى حد ما ضرورية مع صندوق النقد الدولي. قرار اتخذه الرئيس السيسى ببدء العمل على إعداد «برنامج اقتصادى وطنى شامل» يقود المرحلة التالية للإقتصاد. ورغم أن ملامح مصر الاقتصادية موجهة ببوصلة المادة 27 من دستور مصر 2014. إلا أن البوصلة اتجهت إلى زوايا مختلفة،حيث انتقلت الرؤى إلى أربع زوايا، رؤية 2030 والسردية الوطنية، وبرنامج الإصلاح الهيكلى وخطط التنمية الاقتصادية السنوية، بالتوازى مع برنامج الإصلاح المتفق عليه مع صندوق النقد، إلا أن هذه الرؤى، رغم اختلاف أسمائها، ظلت تدور حول الأهداف نفسها تقريبًا، من تعزيز النمو الإقتصادي، ورفع كفاءة المالية العامة، وتحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية.وهو ما جعلنا موقنيين بأن نجاح مرحلة ما بعد إنتهاء برنامج مصر مع الصندوق، تتطلب إطلاق برنامج اقتصادى وطنى واضح المعالم، يستند إلى ملامح المادة 27 من دستور مصر 2014، مع استكمال الإصلاحات الاقتصادية التى بدأناها، والتأكيد على أن مشكلتنا العظمى طوال أكثر سبعة عقود تكمن فى غياب التنفيذ والإستقرار على برنامج واضح يمكن متابعته ومحاسبة الجهات المسئولة عن تنفيذه. وبالتالى فإن المرحلة المقبلة لا تتطلب إنتاج وثيقة خامسة أو سادسة، وإنما جمع هذه الوثائق فى إطار موحد والإعلان عن الإلتزام بتنفيذه حتى عام 2030، مع إقتراح بأن البرنامج الإقتصادى الوطنى يجب أن يرتكز على محاور رئيسية. المحور الأول: إستعادة الإستقرار المالى والإقتصادى الكلى: وذلك عبر السيطرة على التضخم، من خلال الموازنة بين تشديد السياسة النقدية والإجراءات المالية لحماية الفئات الهشة. كذلك الإلتزام بعملية الإصلاح المصرفي، سواء فى معالجة القروض غير المنتجة، أو تعزيز حوكمة البنوك لإستعادة الثقة فى النظام المالي. مع عدم إغفال دعم التحول نحو تعزيز الاحتياطيات الأجنبية من خلال توجيه تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية من خلال الحوافز البنكية لتأمين النقد الأجنبي. ثانيًا: تنويع الصادرات والتأهيل لمرحلة ما بعد الدول الأقل نموًا: وذلك بتقليل تقليل الإعتماد على الملابس الجاهزة والتى تشكل نسبة كبيرة من الصادرات، وذلك بهدف أن يسعى البرنامج لتنويع السلة التصديرية. كذلك مع تطوير قطاعات بديلة، حيث يفضل التركيز على تكنولوجيا المعلومات والإتصالات كقطاع ذو أولوية قصوى بالتزامن مع تحديث الموانئ واللوجستيات مما يساهم فى خفض تكاليف الشحن وتحديث الإجراءات الجمركية لزيادة التنافسية العالمية وهو ما تم مؤخرا عبر تفعيل اتفاقية الضمان بين وزارات المالية والنقل والاستثمار لتبسيط إجراءات النقل الدولى البرى عبر نظام «التير». ثالثًا: تطوير البنية التحتية والشبكات الإقتصادية الكبرى، فنحن نمتلك ممرات تنموية عالمية ولكنها تتطلب تنفيذ مشروعات إقليمية عملاقة تقوم على المناطق الإقتصادية الخاصة مثل إنشاء مجمعات صناعية متكاملة لجذب الإستثمارات الأجنبية المباشرة وتوفير وظائف جديدة. رابعًا : التحول الرقمى ودعم قطاع الأعمال الناشئ، مع إطلاق بوابة وطنية لخدمات تطوير الأعمال لتسهيل وصول المشاريع الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل والتراخيص بعيدا عن البنوك. وهو توجه سوف يدعم بلا شك مفهوم الاقتصاد الإبداعي، والذى تم تطبيقه منذ عقود فى قرية الشعراء بمحافظة دمياط عبر التوسع فى برنامج لم يستمر طويلًا وهو «قرية واحدة، منتج واحد» والتى سمحت بإنشاء حاضنات ومراكز الإبتكار لخلق آلاف من فرص العمل للشباب. خامسا: الاستدامة البيئية والعدالة الإجتماعية. وهو ما سوف نتناوله فى المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الاستراتيجى للتنمية والسلام
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض