نبض الكلمات
لا نختار أقدارنا، كما نختار حكاياتنا، لهذا نحن نمتلك بدايات الحكايات، لكننا لا نملك نهاياتها، تتغير فى حياتنا عدة مفاهيم حينما ندرك أن البدايات ليست مقاييس حقيقية لأى شىء فى الدنيا سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.. بمناسبة قرب ذكرى عيد ميلادى.. كان مولدى فى أروع حقبة عاصرتها من الزمان رأيت فيها البساطة والنقاء والتلقائية وعفوية المشاعر فى أروع مظاهر الانسانية فى نفوس خلق الله.. السبعينات إلى آخر مواليد التسعينات أراهم أكثر حظاً، فالحياة كانت لها طعم آخر قبل دخول الميديا بأنواعها أفسدت كل شيء نقى ولوثت العقول والقلوب وخربت الذمم.. أكبركم سناً تجاوز الستين وممكن أكثر.. عشت عمره كله حتى الثانوية العامة فى الكويت بلدى الثانى، فكنتم أكثر الأطفال تميزا بطفولتكم الممتعة التى لم يحظ بها أطفال الأجيال السابقة لحقتم على جيلين الجيل القديم والحديث..ولادتكم كانت فى ظروف معيشية رائعة أيام حلوة عاصرتم، حروبا طاحنة كحرب العراق وإيران، وحرب الخليج. والحرب فى أفغانستان.. لم نسمع عن الإرهاب والإرهابيين فى أبشع صورهم.
من ذكرياتكم افتح يا سمسم، وسندباد.. وما وكلى، وريمى، وهايدى وغرندايزر والمناهل وسامبى فولترن والكابتن ماجد والنمر المقنع،نادين كبسولة الزمن.. أنا واخى.. والفن الراقى من زمن جميل وذئاب الجبل، وأبنائى الأعزاء شكرا، ورأفت الهجان وافلام أخرى كالفيلم الهندى الذى نترقبه كل عشية خميس... هواياتكم القراءة وصيد العصافير بالفخاخ الصغيرة أوجمع الطوابع البريدية وغيره من الألعاب البسيطة.. والآن تعاصرون عالم آبل والبلاك بيرى والجلاكسى.. عشتم جيلين مختلفين، تربيتم تربية الأجيال السابقة وعشتم عيشة الأجيال التالية.. جيل التوك توك واليوتيوب آفة المجتمع الكبرى ومستنقع الذئاب البشرية لتلويث كل شيء جميل تحطمت فيه كل القيم المبادئ،والتباهى بكشف العورات وانحلال المجتمع وهشاشة العلاقات الأسرية، جيلكم يستحى حتى فى النظرة، تعلمتم الدين الصحيح، وستبقون دائما مميزين، أنتم جيل لا يخشى التقدم فى السن.. أنتم تعتبرون من أكثر الناس فهماً للحياة واستيعابا للأزمات، اسعد أمانيهم مشاهدة موعد انطلاق بث القناة الأولى اليتيمة آنذاك هو الساعة السادسة مساء بمسلسلات الرسوم المتحركة التى كنا ننتظرها بشغف.. نحن جيل لم ينهر نفسيا من عصا المعلم.. ولم يتأزم عاطفيا من ظروف الحياة.. ولم يطالب أهله بأن يوفروا له الكماليات.. ولم تتعلق قلوبنا بغير والدينا واخواننا..نحن جيل لم ندخل مدارسنا بالموبايلات.. ولم نشك من كثرة المقررات الدراسية، ولا من حجم الحقائب المدرسية، ولا من كثرة الواجبات المنزلية، نحن جيل لم يكتب لنا والدينا واجباتنا المدرسية وكنا ننجح بلا دروس خصوصية وبلا وعود وحوافز من الأهل للتفوق والنجاح.. نحن جيل اجتهد فى حل الكلمات المتقاطعة.. وفى معرفة اسم صاحب الصورة. نحن جيل كنا نلوح بكفوفنا الصغيرة للطائرة بفرح، نحن جيل كنا نلاحق بعضنا فى الطرقات القديمة بأمان.. ولم نخش من المجرمين واللصوص وقطاع الطرق.. نحن جيل كنا ننام بمجرد انطفاء المصابيح بالغرفة،و نتحدث كثيرا، ونتسامر كثيرا.. ونضحك كثيرا، وننظر إلى السماء بفرح..
نتحدث مع بعض ولا نتحدث عن بعض, نحن الجيل الذين كان لوالدينا ولمعلمينا هيبة.. وكنا نحترم سابع جار.. ونتقاسم مع الصديق اللقمة والأسرار, أسأل نفسى كثيرا كيف سعيش الجيل القادم أولادنا.. وكيف ستكون حال الدنيا إذا كنا نعتقد أننا نعيش الأسوء فى كل شيء.. وسلام على الطيبين الذين لا تجدهم إلّا فى مواطن الخير، الذين يحملون فى أعماقهم قيما عزيزة وشيمًا كريمة الكبيرون بأفعالهم وأقوالهم ومواقفهم.. المترفعون عن الصغائر نبلًا.. الصامتون عن اللغو ترفعًا المؤمنون بأن الحياة رحلة لا يبقى منها إلا حسن الأثر، وأعوذ بالله من الحشد الذى لا يستر.. والسند الذى لا يصبر.. ومن قلوب ماتت لا تشعر. وفى زحمة هذه التغيرات العجيبة شكراً لأولئك الاستثنائيين الأوفياء المخلصين.. أصحاب الوجه الواحد والموقف الواحد. والقلب الواحد.. يارب أبعد عنا أذى الخذلان الذى يأتى بعد اطمئنان وثقة.
رئيس لجنة المرأة بالقليوبية وسكرتير عام اتحاد المرأة الوفدية
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض