لم تكن استقالة أو إقالة وزيرة الثقافة ، أيا كان الوصف الدقيق لما جرى ، نهاية لقضية تعيين القيادات ، بل بداية لمراجعة أوسع لآليات اختيار المسؤولين فى مؤسسات الدولة. فما كُشف عنه ليس سوى واقعة وصلت إلى الرأى العام لأن الطرف الآخر كانت صحفية أصرت على الدفاع عن حقها ، وتمسكت بالقانون حتى قالت العدالة كلمتها واستقالت بعدها وزيرة الثقافة . ويبقى السؤال الأهم : كم من ملفات مشابهة لم تخرج إلى النور ؟ وكم من أصحاب الكفاءات حُرموا من حقهم فى تولى مواقع يستحقونها عن جدارة ؟ وكم من مبدعين وخبراء عاشوا سنوات من الإحباط ، أو رحلوا وهم يشعرون بأن الكفاءة وحدها لم تكن كافية للحصول على فرصة عادلة ؟
ويستحق حكم محكمة النقض كل التقدير والاحترام ، لأنه جسد المعنى الحقيقى لدولة القانون ، وأكد أن القضاء المصرى يظل الحصن الأخير لحماية الحقوق ورد المظالم.. ولم يكن الحكم مجرد فصل فى نزاع قانونى ، بل رسالة مهمة لكل صاحب حق مفادها أن الحقوق لا تسقط طالما وجدت من يتمسك بها ، وأن العدالة قادرة على تصحيح الأخطاء متى عُرضت عليها الوقائع والأدلة..غير أن القضية لا ينبغى أن تتوقف عند حدود واقعة واحدة ، فهى تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى الالتزام بمعايير الكفاءة والشفافية وتكافؤ الفرص فى شغل المناصب القيادية.. والإجابة عن هذه التساؤلات لا تكون بالتعميم أو إطلاق الاتهامات ، وإنما بالمراجعة الدقيقة ، والرقابة الصارمة ، والتحقيق فى كل ما يثار من شبهات وفقا للقانون...لقد عانى كثير من أصحاب الكفاءات على مدار سنوات من شعور مؤلم بأن التفوق والخبرة والإخلاص قد لا تكون دائماً الطريق إلى مواقع المسؤولية ، بينما تقتضى مصلحة الدولة ألا يكون هناك معيار سوى الكفاءة والنزاهة والقدرة على العطاء.. فالمناصب العامة ليست تشريفا ولا امتيازا ، وإنما تكليف ومسؤولية أمام الوطن والمواطن..ومن هنا، فإن الدور المنوط بالأجهزة الرقابية هو مراجعة إجراءات شغل الوظائف القيادية ، والتحقق من سلامة تطبيق القانون واللوائح ، واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ثبتت أى مخالفات.. فالمحاسبة لا تستهدف التشهير بأحد ، وإنما حماية مؤسسات الدولة ، وصون المال العام ، وترسيخ ثقة المواطنين فى أن العدالة تُطبق على الجميع دون تمييز.. مصر العظيمة تمتلك مؤسسات قضائية ورقابية عريقة ، وقد أثبتت فى أكثر من مناسبة قدرتها على حماية سيادة القانون.. ومن ثم فإن المرحلة الحالية تفرض استمرار مراجعة منظومة اختيار القيادات ، حتى لا يُحرم صاحب كفاءة من حقه ، ولا يصل إلى موقع المسؤولية إلا من يستحقه وفق معايير واضحة وعادلة.إن ما حدث يجب أن يكون نقطة انطلاق لإصلاح حقيقى ، لا مجرد واقعة عابرة تنتهى بانتهاء الجدل الإعلامى حولها . فالدولة القوية هى التى تراجع أخطاءها ، وتصحح مسارها ، وتؤمن بأن العدالة ليست شعارا ، بل ممارسة يومية ، وأن تكافؤ الفرص ليس نصاً فى الدستور فحسب ، بل حق لكل مواطن..فالأوطان لا تنهض إلا عندما يصل كل صاحب حق إلى حقه ، ويجلس كل مسؤول فى المكان الذى يستحقه عن جدارة ، وتظل سيادة القانون هى المبدأ الذى يعلو فوق الجميع ، وتبقى الكفاءة والنزاهة وحدهما الطريق إلى المناصب العامة ، حفاظا على هيبة الدولة وصونا لمستقبلها.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض