النيابة العامة تبرىء ساحة عميد الأدب العربي من تهمة الإزدراء
في ربيع عام 1927، لم تكن ردهات النيابة العامة ، مجرد جدران صامتة تشهد تحقيقاً جنائياً عابراً، بل كانت مسرحاً لمواجهة كبرى بين عصرين ، هناك وقف رجل نحيل، غيبت المقادير بصره وأوقد الله بصيرته؛ إنه عميد الأدب العربي طه حسين بن مركز مغاغة بمحافظة المنيا ، كان يواجه تهمة زلزلت الأوساط الفكرية "الإساءة إلى الدين الإسلامي والطعن في الثوابت المقدسة".
تبدأ الحكاية قبل ذلك بعام واحد، وتحديداً في عام 1926، حين ألقى طه حسين في بحيرة الثقافة الراكدة حجراً ثقيلاً أسماه "في الشعر الجاهلي" ، كان الكتاب ثمرة لواقح الفكر الإنساني والمناهج النقدية الحديثة التي تشرّبها في باريس ، وبأدوات المنهج الديكارتي الصارم، طرح العميد سؤالاً بدا في ظاهره محض مغامرة أدبية، لكنه حمل في أحشائه ثورة فكرية ، هل هذا الفضاء الممتد من القصائد المنسوبة إلى العصر الجاهلي ، هو حقاً نفثات القرائح في قلب الصحراء، أم أن يد السياسة والقبلية وصراع العصبيات بعد الإسلام ، هي التي نسجته، ثم دثرته بعباءة الجاهلية؟
لم يكن طه حسين، أول من داخله الشك، لكنه كان الأكثر جسارة في تحويل الشك البريء إلى منهج علمي يُطبَّق على مادة رآها الكثيرون ديواناً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تجاوزت مباضع نقد المؤلف حدود التحليل الأدبي لتلامس، في نظر معارضيه، الروايات التاريخية والدينية اللصيقة بفجر الإسلام.
ولم يطل الحصار داخل قاعات الجامعة؛ إذ سرعان ما اندلع اللهيب ليحرق ورق الصحف، ويهز ركائز البرلمان، ويفيض إلى الشارع ، تحولت مصر وقتها ، و التي كانت تصيغ هويتها بدموع ثورة 1919 ، وعرق مخاضها التحديثي إلى ساحة حرب رمزية ، كان السؤال المضطرم في النفوس ، أين تنتهي حدود التجديد، وأين تبدأ حصون الأصالة التليدة؟
حين استدعت النيابة العامة طه حسين، شعر المستنيرون أن المنهج العلمي الحديث نفسه ، هو الذي يقف في قفص الإتهام ، سُطرت محاضر التحقيق بمداد من الترقب، واستمع المحقق الذكي إلى دفاع باحث لم يبتغِ — كما قال — تقويض العقائد، بل أراد إرساء دعائم العقل.
جاء قرار النيابة العامة بـ "حفظ القضية " صكاً تاريخياً بليغاً، ووثيقة غير مسبوقة في سجل حرية الفكر العربي ، خلص التحقيق بوعي قانوني وفلسفي رفيع، إلى أن الكاتب لم يتعمد الإساءة، بل كان يمارس حق الباحث في مغامرة الإجتهاد وعورة المعرفة، مفرّقاً بنبل بين "كفر العقيدة" و"حرية الفكر".
اليوم، وبعد قرابة قرن من الزمان، قد يظن العابرون أن المعركة كانت خطأ تاريخياً ، حول بضع قصائد بائدة. لكن الحقيقة أعمق؛ فالشعر لم يكن إلا غلافاً لكتاب الأسئلة الكبرى: هل يملك العقل البشري حق المساءلة دون قيود؟ هل ثمة مناطق يحرّم على الفكر ارتيادها؟
لا تزال أصداء تلك القضية تتردد في فضاءاتنا الحاضرة، لأن الأسئلة التي أيقظها طه حسين لم تنم قط ، فما زالت مجتمعاتنا تتلمس تلك الشعرة الفاصلة بين قدسية المعتقد وحرية النقد، وبين هوية الجماعة وانعتاق الفرد، لقد كانت قضية طه حسين أكثر من مجرد محاكمة، كانت اللحظة الفارقة التي دشن فيها الوعي العربي الحديث أصعب معاركه وأبقاها على مر العصور: «معركة الحق في السؤال».
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض