احتفل الأمريكيون قبل أيام بمرور 250 عاما على إعلان الاستقلال، وهو اليوم الذى وقَّعت فيه ثلاث عشرة مستعمرة بيانا مشتركا بالاستقلال عن الحكم البريطانى.
لقد اعتمدت وثيقة الاستقلال وقتها على مبدأ فلسفى واضح هو أن شرعية أى حكومة تُستمد من رضا المحكومين عنها، ومن ثم فإن للشعوب الحق فى إقصاء أى حكومة تنتهك حقوقها.
ورغم أن الممارسات العملية للأمريكيين الأوائل، وعلى مدى عدة عقود حملت تناقضات صارخة خاصة فيما يخص العلاقة مع السود والسكان الأصليين، فإن التطور المُجتمعى أسس لمبادئ وقيم عامة بشرت بالحريات العامة، وتبنت المساواة بين البشر، واحترام المرأة والمُهمشين، وإقرار حقوق الشعوب فى تقرير مصيرها.
ومع أفول زمن الاستعمار التقليدى، وتراجع أوروبا عن القيادة، تعاظمت صورة الولايات المتحدة فى العالم ونجحت قبل منتصف القرن العشرين فى أن تصبح الدولة الأقوى عسكريا واقتصاديا وماليا وعلميا، ليتواصل تقدمها فيما بعد فى كافة المجالات.
وهكذا أطلقت عليها الآلة الدعائية الغربية بلاد الأحلام افتخارا وتبشيرا وترويجا لسطوعها.
ولا شك أن النموذج الأمريكى ظل يُمثل لفترات طويلة مثالا ًيحتذى فى تداول السلطة، والنظام، والحريات، وسيادة القانون، وإتاحة الفرص لأصحاب الأفكار المتميزة فى النجاح والتحقق، فضلا عن التوازن بين مختلف المؤسسات من حيث توزيع السلطات.
غير أن هذا النموذج المبهر تراجع بشكل لافت فى السنوات الأخيرة وتأثر تأثرا بالغا نتيجة هيمنة الزعامة الفردية، وتنامى الشعبوية وغلبة المنفعة المادية على الخطاب السياسى العام. وهكذا فقد أدى ظهور ما أسماه بعض محللى السياسة بالترامبية، نسبة إلى سياسات الرئيس الأمريكى دونالد ترامب سواء فى فترته الرئاسية الأولى أو فترته الحالية، قد نال كثيرا من صورة الولايات المتحدة كنموذج لدولة مثالية عصرية.
ولاشك أننا فى العالم العربى، على وجه الخصوص، قد اقتربنا أكثر من تناقض النهج السياسى للولايات المتحدة مع مبادئ العدالة وحقوق الشعوب فيما يخص الانحياز الأمريكى السافر والدائم لدولة إسرائيل، بعنصريتها وتطرفها وعدائها الفج لكافة أطروحات السلام.
ولقد رأينا مؤخرا كيف تورطت الولايات المتحدة فى إشعال حرب ضارية ودامية فى الشرق الأوسط بالشراكة مع إسرائيل، ضد إيران وهو ما نعكس بآثار سلبية خطيرة على اقتصاديات العالم ككل، وعلى الاقتصاد الأمريكى نفسه.
وهكذا دفع الأمريكيون أنفسهم ثمن السياسات العشوائية الفردية التى اتخذها الرئيس الأمريكى بعيدا عن مؤسسات بلاده.
ورغم استمرار هيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمى، ورغم أنها مازالت حتى اليوم أكبر دولة إنفاقا عسكريا فى العالم بما يقارب التريليون دولارا سنويا، فإن هذه الدولة العظمى تواجه تحديات مستقبلية خطيرة نتيجة التفاوت الاقتصادى الكبير، ومشكلات التوظيف، فضلا عن اتساع الانقسام والخلافات بشأن صلاحيات المؤسسات، والانقلابات المتكررة على ما عُرف بـ«القيم الأمريكية».
وحسبنا فى مصر أن نتابع وندرس ونراقب ونتعلم مما يحدث فى الولايات المتحدة وفى كافة بلدان العالم من تغيرات. وسلامٌ على الأمة المصرية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض