رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

تشريعات جديدة لمواجهة تعاطي المخدرات بالجهاز الإداري.. توازن بين الانضباط الوظيفي وفرصة العلاج

بوابة الوفد الإلكترونية

تمثل مواجهة تعاطي المواد المخدرة داخل الجهاز الإداري للدولة إحدى القضايا التي تصدرت الاهتمام التشريعي خلال الفترة الأخيرة، لما ترتبط به من تأثيرات مباشرة على مستوى الأداء الوظيفي، وانتظام العمل داخل المؤسسات الحكومية، وسلامة الخدمات المقدمة للمواطنين. فالوظيفة العامة لا تقتصر على أداء مهام محددة، وإنما ترتبط بمسؤولية وطنية تتطلب الالتزام والانضباط والقدرة على تحمل الأعباء الملقاة على عاتق العاملين بها.

وحرصت الدولة المصرية على وضع منظومة قانونية صارمة تهدف إلى ضمان خلو الجهاز الإداري من تعاطي المواد المخدرة، باعتبار أن حماية المرافق العامة والحفاظ على كفاءة العاملين بها يمثلان أولوية أساسية لتحقيق الصالح العام.

 التعامل مع حالات الإدمان

وفرضت التطورات الطبية والقانونية ضرورة إعادة النظر في كيفية التعامل مع حالات الإدمان، والتمييز بين المتعاطي الذي يتعمد مخالفة القانون، وبين الشخص الذي يعاني من مرض الإدمان ويحتاج إلى تدخل علاجي وتأهيلي. وهو ما فتح بابًا واسعًا للنقاش حول أهمية تحقيق التوازن بين الردع القانوني والحفاظ على البعد الإنساني.

ومع تنامي الاتجاهات الحديثة التي تنظر إلى الإدمان باعتباره مرضًا له أبعاد صحية ونفسية واجتماعية، ظهرت الحاجة إلى تطوير التشريعات بما يضمن مواجهة الظاهرة بحسم، مع منح من يثبت إدمانه فرصة للعلاج وفق ضوابط محددة، قبل اتخاذ الإجراءات الإدارية النهائية بحقه.

وجاء مشروع القانون المقدم لتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021، ليطرح رؤية تشريعية تقوم على الجمع بين الحفاظ على الانضباط داخل الجهاز الإداري، ومراعاة الحالات التي تحتاج إلى العلاج، من خلال وضع إطار قانوني يضمن التعافي دون الإخلال بكفاءة مؤسسات الدولة أو سلامة المرافق العامة.

مواجهة ظاهرة التعاطي

أكد وحيد سرور، الخبير القانوني، أن الدولة المصرية حققت خطوات مهمة في مواجهة ظاهرة تعاطي المواد المخدرة داخل الجهاز الإداري، من خلال تطبيق تشريعات تهدف إلى حماية المرافق العامة، وضمان كفاءة العاملين، والحفاظ على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.

وأوضح أن قانون شروط شغل الوظائف أو الاستمرار فيها رسخ مبدأ الانضباط الوظيفي، إلا أن التطورات التشريعية تستوجب مراجعة القوانين بشكل مستمر بما يحقق التوازن بين حماية المصلحة العامة ومراعاة الظروف الإنسانية، خاصة في الحالات التي يثبت فيها أن التعاطي مرتبط بحالة إدمان تحتاج إلى علاج متخصص.

وأضاف أن الفكر القانوني الحديث لم يعد يتعامل مع الإدمان باعتباره مجرد مخالفة تستوجب العقوبة فقط، بل أصبح ينظر إليه باعتباره مرضًا يحتاج إلى تدخل طبي ونفسي واجتماعي، وهو ما يستدعي وضع حلول تشريعية تتيح العلاج وإعادة التأهيل، مع فرض ضوابط تمنع إساءة استخدام هذه الفرصة أو التأثير على سير العمل داخل مؤسسات الدولة.

توازن بين حق الدولة وحق العامل

وأشار سرور إلى أن مشروع القانون المقدم من النائب أحمد بلال البرلسي لتعديل بعض أحكام القانون رقم 73 لسنة 2021 يعكس فلسفة قانونية متوازنة، حيث يجمع بين حق الدولة في الحفاظ على جهاز إداري قوي ومنضبط وخالٍ من تعاطي المخدرات، وبين حق العامل الذي يثبت أن حالته ناتجة عن الإدمان في الحصول على فرصة للعلاج قبل إنهاء خدمته.

وأكد أن هذا التوازن يحقق العدالة القانونية، إذ لا يمكن مساواة العامل الذي يرفض العلاج ويصر على الاستمرار في التعاطي، بالعامل الذي يعترف بمشكلته ويلتزم ببرنامج علاجي بهدف التعافي والعودة إلى ممارسة عمله بصورة طبيعية.

الإدمان مرض يحتاج إلى العلاج والتأهيل

وشدد الخبير القانوني على أن الاعتراف بالإدمان كمرض يمثل تطورًا مهمًا في الفكر التشريعي، موضحًا أن العديد من النظم القانونية الحديثة باتت تفضل العلاج وإعادة التأهيل متى توافرت الضمانات التي تحمي المجتمع وتحافظ على كفاءة المؤسسات.

وأضاف أن منح العامل فرصة للعلاج لا يحقق فقط مصلحة الفرد، وإنما يساهم أيضًا في الحفاظ على استقرار الأسرة، ويمنح الدولة فرصة للاستفادة من العنصر البشري بعد تعافيه بدلًا من فقدانه نهائيًا بسبب المرض.

ضوابط قانونية لمنع إساءة استخدام فرصة العلاج

وأوضح سرور أن مشروع القانون وضع مجموعة من الضمانات التي تضمن عدم تحول فرصة العلاج إلى وسيلة للتهرب من المسؤولية، حيث نص على إحالة العامل إلى أحد المراكز المرخصة لعلاج الإدمان، مع احتساب فترة العلاج كإجازة مرضية وفقًا للقواعد القانونية المنظمة.

وأكد أن هذه الضوابط تعكس حرص المشرع على مواجهة التعاطي بكل حزم، مع تنظيم مسار قانوني يحقق هدفين متوازيين؛ وهما العلاج والانضباط الوظيفي.

ولفت إلى أن المشروع أجاز إنهاء خدمة العامل في حال امتناعه عن استكمال البرنامج العلاجي أو انقطاعه عنه ثلاث مرات، بما يضمن عدم استغلال الحق في العلاج كوسيلة لتعطيل تطبيق القانون أو الإضرار بمصلحة العمل.

كما أشار إلى أن التشريع حافظ على الحقوق المالية للعامل، حيث أقر حصوله على مستحقاته كاملة حال إنهاء خدمته، بما يتفق مع مبادئ العدالة والضمانات القانونية.

فلسفة تشريعية تجمع بين الردع والإصلاح

وأكد سرور أن مشروع القانون يعكس توجهًا تشريعيًا حديثًا يقوم على الموازنة بين البعد الإنساني ومتطلبات حماية المرافق العامة، موضحًا أن التشريع الناجح لا يقتصر دوره على العقاب، وإنما يمتد إلى الإصلاح والتأهيل عندما يكون ذلك ممكنًا.

وأضاف أن منح العامل المدمن فرصة للعلاج قبل إنهاء خدمته لا يعني التراجع عن مواجهة ظاهرة المخدرات، بل يمثل أسلوبًا أكثر فاعلية لمعالجة المشكلة من جذورها، مع الحفاظ على كفاءة الجهاز الإداري، ودعم الاستقرار الأسري والاجتماعي، وتحقيق معادلة عادلة تجمع بين حماية المجتمع وصون حقوق الأفراد.